الكاتب: هاشم شلولة.
بكل ذيول التعاسة التي نجرّها خلفنا خلال مرورنا في هذا العالم، والتي يخلّفها الإحباط فإنَّ هناك ما يجعلك تقف منتبهًا قليلًا كإنسان مُحبَط _أو أي إنسان آخر_ أو فنان أو مُفكِّر... إن هذا الانتباه يتلخص في الذي قادنا كمُحبَطين نحو الإحباط، الوعي هو الذي فعل ذلك، ويشبه الوعي هُنا ذلك الرجل العجوز الذي دائمًا ما يجلس على باب بيته عصر كل يوم، وكلّما مَرّ غريب يستفسر عن الطريق، دَلّه العجوز عليها بسهولة لأنّه الأخبر والأقدَم والأكثر معرفة... (الوعي العجوز، والغريب نحن الأبناء الذي جاؤوا هنا دون امتلاك أي خلفية عن كل هذا البؤس وشوهات الخارطة)
نحن في عالم مُحبَط، لكنّه الإحباط بالشكل الجديد، لا يُحبِطنا موت عزيز، أو فقدان حياة إنما حالة الفراغ الدائمة، والملل، والبؤس وعدم القدرة على توفير ما يجعلنا ننتشي من كماليات نواقص، أو نواقص كماليات كما يحلو لما يحدث هنا. بات الموت ذائبًا في مدى استيعابنا للحاصل والنتائج، هذا الاستيعاب البسيط، الذي يتسرّب عمدًا إلى عقولنا ويجعلنا نساوي بين الموت والسيجارة هو في الأصل وجه أعمق وأبعد للمنطقة المرتفعة من الوعي الذي كان مُسبِّبًا لسبب الإحباط. لستُ مُحبَطًا بشكل الإحباط الدقيق إنّما "زلمة منَهنَه وشبعان مناهدة ووجع قلب" أدركتُ في سنٍ مُبكرة دون إدراكٍ لهذا الإدراك أن الإحباط هو ما سنصل إليه، لهذا عصّبتُ قلبي، ولففتُ جُرحي بضمادٍ من ابتساماتٍ كاذبة، ومجاملات طويلة لا تنتهي ومضيت، مضيتُ نحو الإحباط الذي ليس هو ختام قصيدة العلاقة بيننا وبين الحياة كالموت، لكنّه سلاحنا في الطريق إلى هذه الخاتمة العادلة _الموت_ ذلك السلاح الذي نرفعه في وجه القهر الذي قد يبتعثه فينا الموت من خلال الأسئلة حوله، والحيرة الطويلة والدائمة التي يتركها فينا كما يترك البحر خوفًا كبيرًا في أحشاء غريق تم انقاذه، لكننا غرقى ولن نُنقَذ كقاعدة إحباطية نستعين بها على كل هذا الهوام والتقهقر.
أسخر ممن يدعو إلى غير الإحباط، ويُذكِّرني دائمًا بنفسي وأنا أحاول إقناع أبي بعدم فعلٍ ما كنت قد فعلته، وقد رآني أبي أفعله بأم عينه، وأنا من داخلي أستهزِئ من نفسي لأني فعلت هذا الفعل وأدركت تأكُّد أبي من أنني قد فعلته، وأتمتم بيني وبين نفسي بعدم شرعية ما يحدث، وهذا عبارة عن استهبال لأبي. هكذا بالضبط ما يحدث حين يحاول مُغفَّلٌ، ومُدرك لغفلته هذه سواء بوعي أو بدون وعي أن يدعوك إلى غير الإحباط، وأول عبارة أقولها في سرّي وقتما أصادف أحد هذه النوعيات الباردة من "المني آدمين هدول" عبارة: "اسكت ي أهبل" وما غير سرّي، أهزُّ برأسي مُبتسِمًا وموافقًا إيّاه على كل ما يقوله أو يهذي به أو حتى يُغنِّيه!. الإحباط أيها الأخوة هو تعبير مكتمل الدقة للامتلاء، الامتلاء بالتجارب التي لا تتوقَّف عن إنجاب المشاعر المُعقلنة، وتبديدها في مواقفنا من الأشياء والأفكار والأحداث. إننا نستطيع به أن نتحول إلى شخصيات رزينة متأنية وحكيمة في التعاطي مع ما يشقّ علينا ثباتنا الذي حاولنا جاهدًا أن نصل له وخسرنا الكثير لأجل ذلك. لا أدعو إلى الإحباط، ولا أمدحه.. إنّما حاولت وصفه بنَفَسٍ تجاربيٍّ ضيّق، أرّقني كثيرًا ذات مرّة خلال الفترة التي كنت أبحث فيها عن هوية شعورية أقرب للأبدية وإرادة الواقع، والوعي.