الكاتب: هاشم شلولة.
بينما يبكي عقلي ويتجدَّل مرّة أخرى، ويُكرِّر ثَنيَاتَه، صادفتُ في مكتبتي مجموعة قراءات للذة، وكنتُ كغيري من المحتدمين الغاضبين، لكنّي أستوعب لضرورة الشاعرية أنَّ اللذة أعمق من حدِّها الشهواني، وأبعد، لكنّها لا تخلو من موازاة مع الشهوة. فإذا بنص مؤجَّج بقدر هدوئه لجدي الذي أقام مستلذًّا في أثينا، ولم يستطِع النسيم محوَ آثاره أبيقور عليه السلام، وهنا كان الذهول، كأنّه يصرُخُ في أذني قائلًا: اللذة في عدم التجاوز، تجاوز حجمك ولونك وصورتك ومعرفتك ومساحتك المخصصة لعلاقتك بالأشياء... اللذة سكنٌ وسكينة.
شعرتُ بإحباطٍ شديد لحظتها، لأنَّ تجاوزاتي التي تطول لائحتها أوصلتني لمرحلة من الإشباع للدرجة التي لو كنت فيها مكان موسى النبي مع ولي الله الخضر، لم أكُن لأسأل عن تفسيرٍ لأفعالِه، وسأستطع معه صبرًا، ليس لأني أعرفُ جملةً واحدة من اليقين؛ لكنّه الإشباع الحقيقي من التفاسير والتأويلات ورغبة الفهم أو الوصول والعلاقة شبه الاكتمالية بالتجربة.. هناك الكثير لم أصله، لكنّي عرفته، وأن تعرف يعني أن تُقدِّم استقالة من مزاولة الحياة، وتنحو ناحية زاوية من زاويا العالم مُراقِبًا، والمُفارقة الأكثر حزنًا هي أنني أفقد الرغبة في تدوين ما أراقبه، وحدث ما خشيته على مدار تجربتي، حدث العبث. حدث الصمت الكبير، وليس الصمت عن مهامسة الناس. حدث الصمت الأبدي الطويل.