التخطي إلى المحتوى الرئيسي

شذوذ قديم

 الكاتب: هاشم شلولة


نحن في حياة تضعنا أمام أنفسنا كما يضع المُحقِّقُ المُتَّهم أمامه، تحاول ابتزازنا من خلال صياغة ظروف إنسانية تخلق من سلوكنا هذا المرتبك والضال والخاضع لصراع لا بداية له ولا نهاية. 


سينجب هذا الصراع سؤال الانتحار الطويل والمُمتد والمُشتبِك مع مُخرجات هذا الصراع اشتباكًا مُحتدمًا، يتوازى السؤال مع أهمية الانتحار كخلاصة لمجموع التراكمات التجاربية التي إن لم يكن كلها فمعظمها أليمة وتُشكِّل خبرة صادمة تفتح المجال أمام حضور الانتحار بقوة حين يتبنى الذهن فكرة الحلولية كردة فعل على هذه الخبرة. 


بعد ظهور الانتحار على هيئة صورة للحل ستُبرَز التباينات الفكرية التي تفكفك الانتحار وتُصدِّر السرديات التي تشرعن حلولية الانتحار كأن يُوصل المشهد الانتحاري بالمصير، إنه لمن الحماقة أن لا يستطيع الإنسان التحكم بحياته، وأقول تُشرعِن؛ ليس لأنَّ الانتحار كحل غير شرعي في الأصل، إنّما كتسويغ تأكيدي له. 


الانتحار فن كالحياة التي وصفها "يوسا" ككومة خراء، ويجب مواجهة هذا الخراء بالفنون، إذن؛ نواجه الحياة ربما بالحياة في حالة اتَّضاح ملامح علاقتنا السلوكية بها وسلامتها، ولكن في حالة النقيض الطارئة والمُختزَلة في علاقتنا بالحياة يجب أن نواجهها بالانتحار لقتل السؤال والإجابة القائميّن حول هذه العلاقة الشائكة والملتبسة بالحياة.


كل هذه الحشود والجموع تقع فريسة لما هو أول وبائن من الحياة، الحياة الماكرة التي يجب قهرها بالانتحار، علينا أن ننتحر قبل أن تستجذبنا الحياة وتفك أزرار قميصها لنا حتى تغوينا وما إن اقتربنا تحشرنا بين جسدها والقميص وتُحكِم الأزرار علينا، تخنقنا بغوايتها لنا، وتعلقنا بها.. إن لم تُكوى منذ أن يشير الوعي بأصبعه الأوسط علينا، ونستعين بهذا الأصبع على نبش مؤخرة الحياة العاهرة بتلك الطاقة الانتحارية، وتقرير المصير لأنه من المضحك أن نأتي رغما عنا ونغادر كذلك، يجب أن نفرض خيارنا على ما هو حاصل ومنشود من سادية الحياة ووساختها وقذارتها اللانهائية التي تُترجَم في منحى سلوكي يجمعنا بها. 


الطريق والحب والمعنى والعالم... كلها دواعي تشجيعية على الإنتحار، وها أنا أكتب عنه ليس لأنني عاجز عنه كما يدّعي بعض المتفزلكين لأنَّ المسألة سهلة جدًّا حسب تعبيرهم وأنا أؤيد ذلك فطلقة مسدس تخلصني من هذا العناء أو أن ألقي بنفسي تحت شاحنة، وأنتهي من هذه السخافة في ثوانٍ معدودة لكنني لستُ مغرمًا بالموت على قدر حاجتي للخلاص، هذا الخلاص الذي أنشد منه الراحة التي عجزت عن الوصول إليها خلال خط سير الحياة المُتعرّج والخاضع للطقس الإنساني المُريب وكثير التقلُّب والجور والذي لا يترك إلّا التعاسة.. لكن؛ إن كان يستطيع الموت أن يخلصني أو لن يفعل ذلك؛ فهذا لن يُثنيني عن فكرتي المؤجلة، والتي ربطتُ بها الخلاص منذ البدء سواء كان هذا الربط مُكتسبًا من توجهات مرتبكة كما يقول مرتبكو الصحة النفسية والمعجونين بوَسَخة الرغبة بالحياة والوجود أو غير ذلك. 


"لا وقت لكلمات أخرى

ولا مصافحات جديدة

لا أحزان، ولا آلام مكفهرة 

أن تموت، ليس بالأمر المستجد،

ولا أن تعيش بتلك جدة المغرية"


يجب علينا أن ننيك هذا الخوف ونقهره ونعبث بمؤخرة القلق الدائم الذي ينتهك حُرُمات الألوان الفاتحة التي فينا بحبلِ مشنقة، بشفرة حادة، لا يجب علينا أن نموت فقط، ولكن علينا أن نستمتع بتلك اللحظة التاريخية القصيرة المُسماة موت من خلال مشاهدته، فلون الدماء وتدفقها يؤكد على رسالة طويلة حملتها أعمارنا النحسة وبنت الشرموطة هذه، امتدَّت منذ المجئ، وإن هذه الدماء هي خلاصة ما صار وما حُبِس وما دفنّاه بداخلنا الذي تنكر لنا بعد أن تنكّر الجميع ورفع رايته. إننا بذلك نشاهد تدفق مُنساب لأحداث ومواقف بَعَصَتْنا إلى حد الألم.


لسنا أكثر حبًّا للحياة من "أوتا بينغا" ولا "جاك ثاير" ولا "نيكي ثوماس" ولا أكثر وعيًا ولا عُمقًا.. فليُخبرني ابن قحبة عما هو أقوى من ذلك وأشدّ وأكثر أثرًا فيمن يريد المُصيّ إلى النجاة، من يريد العوم في تلك السماء المجهولة التي قد تكون في أعمق أعماق الأرض.


 لا نستطيع أن نهدَأ؛ تلاحقنا الأسئلة والحوداث والأوبئة والفقر.. في كل زاوية نلجأ إليها تأخذ دور الذكر وترفع قضيبها في وجوهنا، تخبرنا بالانصراف، تطردنا وتقمعنا.. لهذا وجب علينا الاستراحة، وتعطيل تلك الخُطى العبثية وغير المُجدية، علينا احتقار السير في الشوارع والطُّرُقات والأمل والطموح. 


نحن مجرد كلاب جائعة ونازفة تمشي ببطءٍ، وعلينا إيقاف هذا النزيف بأيدينا، علينا بقتل أنفسنا وإنه لمن المعيب والساخط والمؤذي عدم فعل كهذا، وإنَّ التأخير عن فعل الانتحار إشارة تؤكد لكل ابن زانية يتهمنا بحُبِّ الحياة أن كلامه صحيح، نحن نحب الحياة في الأصل لكننا فشلنا في هذا الحُب، وحاولنا أن نؤسس لحُبٍّ آخر لكننا فشلنا فشلًا ذريعًا وأصبحنا في حالة ترقُّب مستمرّة ومتواترة لرنين جرس الانتحار النهائي فينا، وفي دواخلنا المُعذَّبة والدامية والمُتعَبة والتي آن لها أن تنجو وتستريح وتتخلص من كل هذا العذاب.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...