الكاتب: هاشم شلولة
الشعر إن لم يكن صوتًا للأخلاق المجردة من المُحدِّدات في مداركنا، وأعماق دواخلنا، فالجحيم، كل الجحيم للكلمة.. لكنّي متأكدٌ من أن الحاصل ليس النهاية، فالشعر معنى وبقاء وطرق ملتبسة ومتفرعة، تجعل مساراتنا الإنسانية خلّاقة وحالمة ومبدعة وذات موقع من الإعراب.. لا نعرف أن الكلمة تستمدّ جحيمها من مُتكَلِّميها. لهذا، قد نكون تردَّدْنا أو تكدَّرنا قبل كتابة بعض قصائدنا، وهنا.. تمامًا هنا، تتضح أهمية الشعر الكبرى والحقيقية، ومدى توازيه مع الوعي، ومدى ركضه حافيًا على محفّات الإدراك، وقدرته على ابتداع السحريّ في خضم العلاقة الحزينة والجدلية بالواقع، ومفهوم الإنسان بالمجمل..
لقد وصل الشعر إلى اتِّخاذه دور الباحثِ عنّا، كيّ يقدمَ بنا نحن الشعراء صورةً للخراب، ورمزًا لخطأ ما كبير، لا ينفصل عن حاضر الوجود وتاريخه ومجمل تساؤلات الزمن.. ليخلِّفَ ذلك تجسيدًا عميقًا لمعنى القلق في نَفْسِ الشاعر المَنفيّة والغَضّة المحمومة، والمسكونة بالمُهامسات السؤالية والتأملات الغامضة والرصد الفاحش للأحداث... حتى صرنا كوّماتِ قلق، هذه الكومات تحشدُ القلق في جوف القصيدةِ من منظورٍ فنيّ، يُعلي من شأن القصيدة ويرفعه، لكنّها تسحق مبادئ الصلة بالواقع من منظور آخر، مما يخلق في نَفْسِ الشاعر قهرًا رماديّ، وهي المقهورة سلفًا من الحساسية والكلام والإشارة والربيع...
نحن نصنعُ بالقلقِ أرضَ القصيدةِ، ونمضي نحوها. القلق الذي هو ثمن القصيدة والحرية والوجود، وكل معنى ربما.