التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما يصل من العاشق

 الكاتب: هاشم شلولة


عزيزتي.. 


كنتُ قد جهزّت نص الرسالة منذ أواخر يناير، وكنتُ متردِّدًا في إرساله، لكنَّ غيابَكِ المُقلِق رفع من منسوب جُرأتي، ودعاني رغمًا عنّي لإرسال هذه الرسالة لأطمئن عليكِ أولًا، وأقول ما أختزنُ ثانيًا.. فمنذ اللحظة الأولى لغيابكِ لم تسكُت خليّة في عقلي عن التفكير في الغيابِ وأسبابه ودواعيه.. الغيابُ يعلِّمنا الجرأة وفنون التذكُّرِ والنسيان. 


ازدحامٌ كبير يحوِّطُ خلايا عقلي لدرجةٍ عجزتُ فيها عن اختيار طريقةٍ افتتاحيّة تُشبه البداية مُفتتحًا هذه الرسالة. لذلك؛ سأعتذِرُ بادئًا بدلًا من التحية، تلك عادتي؛ فأنا كثير الاعتذار، وتفوق اعتذاراتي تحياتي، ويعود ذلك لعقدة ذنبٍ تلازمني باستمرار، تنبثق نتيجة تأمُّل ومراجعة مستمرة لكل بنتِ شفّةٍ أنبسُ بها، وبعد .. 


مرحبا أيتها الجميلة ذات الوجه الثائر المدلل، المُحتار بين النضج والصبيانية.. تلك الحيرة التي تطفو فوق وجهكِ كقاربٍ لمن يجرؤ على الإبحار كشاعرٍ مثلي، يقضي وقتًا طويلًا في توزيع نظراته في صورةٍ أحبَّها، وهذا بالضبط ما حدث.. كان كل ما جمَّعَه وعياي الباطن والظاهر هو اختزال قامت بارتكابه صورةٌ لكِ.. ألقت عينايّ القبضَ عليها خلسةً، فما كان من حدّية خاطري إلّا أن قطعَتْ الشكَّ وليس اليقين بأنّي أمام فتاة، شجرة ربما لا ينقطع زهوها في حواسي، وقد استنشقَتْ عيوني هذا حين انعكست روح الصور عليها، امتد الانعكاس إلى العقل فاشتدَّ.. قد يبدو أنَّ الشاعرَ الذي هو أنا من ذوي الصيحات والملامسة إذا اقترن الأمر بصورة.. الحقيقة أنَّ الأمر تفوّق على الصور جميعها، وبات رهنًا لصمتٍ لا أدري إن كان مُفتعَلًا أم هو هكذا كما هو يحيا فيكِ!. واحتمال آخر هو أنَّ الأمرَ برُمّتِه لا يُخاطِرُك إن كان انتباهًا أو حتى التفاتًا.. وهذا ما أريد فهمَه إن كان للفهم اعتبارًا.. 


وبعد أيتها التي تستبطن كلَّ شيءٍ وما يظهر منها قليل، هذا القليل الكثير الذي سحبني من ناصية انتباهي، وأجَّل فيَّ كلَّ انتباهٍ آخر باستثناء الصعود إلى سقفٍ شاهقٍ سمّتهُ آياتي المبينةُ أنتِ.. لستِ الفصل الأجمل في الحكاية، وربما لستِ الحكاية إن كُتِبَ لها أن تُسطَّر؛ لكنَّكِ من مكان ما من هذا العالم الذاهب نحو الاضمحلال والتلاشي فتاةٌ حالمة على عرشِ نبضٍ لو اجتمعَت حشودٌ مؤلّفةٌ لا نهاية لها من أجل إسكاته أو خفضِ صوتِه ستفشل فشلًا لانهائيًّا.. فلا نبض ولا احتراق ولا صمت.. يلتهمُ الكلامَ من الممكن أن يسكُتَ إذا ما رُبِط بكِ أمسًا أو اليوم أو غدًا.. فتنةٌ أنتِ تغوي الشاعر، وما أكثر ما قيل في فتنة النساء لكنَّ القول فيكِ ينوب عن كلِّ النساء مجتمعات.. 


الحقيقة أنني راهنتُ نفسي على أنّكِ مجرّدُ مشهدٍ افتراضيٍّ سيمضي بعد قليلٍ نحو مصيره ككل من أصادف من النساء في هذا الافتراضيّ، اللواتي عرفتهن أو حتى صادفتهن، وهن بالمناسبة كثيرات.. لكنَّ الوقت لم يكُن كريمًا معي خلال صناعتكِ في ذهني، ولم يطُل ليُثبِتَ عكسَ ذلك.. وبأمر من هواجس تلاحقني كبشرٍ تضرَّعَ للحبِّ مرّةً ألّا يدقُّ الباب عليه، بهذا الأمر الأشبه بالخاطف السريع اللذيذ كان ما هو كائن يا جميلة، كانت الأشياء تسقطُ من علوٍّ، وتذَر في التيه صحاريها وكل ما كتبته تراتيلُ الحبِّ كائن.. أأسخطِ أم أكمل تكتُّمي الذي يكاد يخنقني أم أصرخُ أم أفعل فعلًا أحمق كهذا وهو الكتابة لكِ؟. 

الكتابةُ لكِ فعلٌ أحمق.. وأحمق هنا جاءت لتدفُّقٍ مجنون من التخيُّلات، أول هذه التخيُّلات هو أنَّني أبني مع نفسي علاقة نبوّة؛ فهل يضعُفُ نبيٌّ لحدٍّ يغويه فيه الحبُّ فيكتبُ لامرأةٍ جميلة أنا الذي جلد نفسَه مرارًا وأسكتها إرغاما؟. آخر تلك التخيُّلات دون ذكرِ أوسطها لضرورة التجاوز؛ هي أنَّ الحبَّ بكُلِّ جحيمِ الصمتِ هو أحلى مرارةً حين يكون خبيئًا وحبيسَ روحٍ تُقلّمه وتهذّبه بالشِّعر.. الشِّعرُ الذي به أُثبِتُ وأُثبِّتُ روايتي، وأبني لها صرحًا أداري فيه نفسي عن مثيلاتها من الأنفُسِ، فالانكشاف افتضاح، والافتضاح سكوتُ اللغةِ فيَّ وارتفاعُ صوتِ البوح.. 


قد لا يعنيكِ ما تضمنته تلك المراسلة، وهو ما أرجوه لأُعفى، ولا أرجوه ليكون هذا الحبِّ الصامت مسموعًا ثائرًا كوجهكِ أو حتى ثباتكِ المُستفِز. استفزّني كثيرٌ منكِ وقليلٌ قال قولَه فصار كثيرًا، وصار حبًّا، وصارًا أبدًا... 


قد لا تُدرِكُنا الأحداثُ والعوالم والمناخات.. لكن اعلمي أيتها الحلوة أنَّ ما لا يُدرِكنا هو ما تُنازِله قريحةُ الحبّ لتثبِتَ نفسَها فندرِكه، وننال من الخبايا ظاهرَها، نظفر بقداسةِ الحب المبينةِ لو مجازًا إن كان للمجاز مكانًا في زحمة الوقائع التي لا تنفذ أو تنضب.. فعلتِ بي الكثيرَ في قليلٍ وليس العكس، وكان يمكن ببساطةٍ غضَّ البصر والمُضيّ.. لكنّي بمرارةٍ أقول أنَّ حزني كان أشد حين مثّلتُ دور الماضي الذي يُكمِلُ العبور، وعند تدفُّقِ ماء غيابِكِ الطويل لثقوبي صرختُ عاليًا، ولم أستطِع تكملة الدور الذي قررته شفاءً، هي علّة الحب اللذيذة، التي تجعل منك متحدًا مع العلّة وبها حُبًّا وهيامًا وهوامًا واستبصارًا بعيدًا أو لاواقعيًّا.. 


آه أيتها الجميلة!. لستُ بمنضبطٍ ربما.. لكنّ الذي أعرف وأدرك وأفهمه.. هو هذا اللاتوازن؛ الذي هو إشارات أشبه بالكهربائية لحبٍّ كبير ومجنون وهستيري.. أكتبُ خائفًا مفعولًا بي أفاعيل الهيام كلّها.. مُتعبًا، ولستُ بمُبصرٍ إلّاك على طريقِ غيابٍ طويل.. 


في نهايةٍ طارئة، وما هي بالنهاية.. كلُّ صفةٍ حين ارتباطها بالحب تصبح اسمًا، وكلُّ اسمٍ صفة أيتها الجميلة التي هزّت بثباتها مُجونَ خفوتي واستقامةَ سكوتي الأبديّ الطويل على أيّما له صلة بالحب أو المسافة أو حتى لون الأرضِ، طينها أو زُرقة السماء.. كلُّ البلادِ أنتِ، وأنتِ كلُّها حين تبدأ المسافةُ بالاختمارِ فيكِ جنونًا وصراعًا فأصير كأعجازِ النخلِ الخاوية قلبًا وعقلًا ورسولًا يحمل في ثناياه رسالةَ الحب الملحميّة. 


فيروز بتقول: "بشتقلك لا بقدر شوفك ولا بقدر أحكيك، بندهلك خلف الطرقات وخلف الشبابيك، بجرب اني انسى بتسرق النسيان وبفتكر لاقيتك" 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...