الكاتب: هاشم شلولة
المرأة في مجتمعاتنا العربية تحديدًا تولد مأزومة، تكبر أزمتها مع مرور الوقت والمراحل. في بداية الأمر؛ يعترض الأهل على جنس المولود في حال كان المولود أنثى، وبالتراكم تستشعر الفتاة هذا التمايز الذي لم تختاره هي أو حتى الذكر، بل اختارته منظومة مريضة عقليا؛ بين الأجناس، مما تتوعّك أحشاء لاوعي الفتاة، ويتم تكريس هذه الأزمة (التوعك) الخفيّة في الوقت القادم، فتتبع الأدبيات الاجتماعية المؤكِّدة على هذه الفروق غير المُختارة، والتي تُفعِّل اتضاح هذا التمايز، وتُختَزَل مثل هذه الأدبيات بشعورك كذكر لم يختار جنسه وجزءًا من هذا المجتمع الذي تتشارك فيه مع الأنثى بأنها كائن غريب لا يشترك معك أو يلتقي بك أو يماثلك في أي صفة حتى الإنسانية، ونحن بغنى عن تعداد صفات المرأة التي تُشرعِن هذه الغرابة. بعد ذلك؛ تتدرج عملية النمو الخاصة بالفتاة، وتكبر صورة الممارسات لهذا الشعور من التمايز والفرق بينها وبين الذكر بجلاء ووضوح وصولًا لمرحلة المراهقة لديها، وهي المرحلة التي تُنظِّر لشخصية الفتاة المرأة وهويتها السلوكية مستقبلًا، هذه المرحلة تبدأ فيها ملامسات الجرح العميق بداخل المرأة، وبدلا من معالجة الجرح سواء من الأهل أو من الفتاة نفسها بوعي وكيّ لكثير من الثوابت الخاصة بالشكل الفارق بينها وبين الذكر وهي العاجزة والمُحاصرة بالكثير من المونولوجات التي تحول بينها وبين المعالجة؛ فإنها تعززها وتشعر بكراهية هستيرية لا تتضح في سلوكيات الوعي ومسلكياته وتناولاته بقدر اتضاحها في مناطق احتكاكاتها الأخرى اللاواعية بالمفاهيم، فالمرأة في الأصل والجوهر تكره وتنقم على القاعدة الاجتماعية ومكوناتها لكنها تتعامل في الواقع الاحتكاكي بهذه القاعدة بحُب وودية رغم معرفتها بالكم والكيف الخاصيّن بالأذى الذي تتركه هذه القاعدة مما يخلق تناقض كبير يطول أعمق زوايا شخصيتها لكنّ ثمّة تنكُّر غير مفهوم للأسباب التي يجب أن تجعلها تتعامل مع القاعدة الاجتماعية بما يختزل جوفها؛ يرتكز هذا التنكر على ميكانيزمات معينة تبتكرها هي أو الوسط الإجتماعي أو حتى العائلة النووية التي تعيش معها بما في ذلك أمها. هذه الحبكة المجنونة من الأضداد تستبيح الشخصية المراهقة عند الفتاة العربية استباحة تجعل منها كائنًا يحيا في نكتة تُثير ضحك من يتعرف على الملامح الاستبطانية العميقة لشخصية هذه المراهِقة، وقد لا تلامس ترف هذا الوصف الذي وصفتُه لمراهقَتِها فتتزوج، وتتحول إلى أمٍّ تُماثل الأبناء الذين تنجبهم في تصوراتها عن كثير من المفاهيم المُتعلقة بالحياة. تتخطى الفتاة مرحلة المراهقة بعد أن تكون شبعت من مطارق المناهج الإجتماعية والفكرية والأديان التي توالت عليها في الطفولة والمراهقة؛ لتُصدَّر لنا أنثى مدغدغة العقل والفكر وجموح الاختزال الداخلي، وكل هذا يُفصَح عنه بجلاء على حين معايشتك لها أو مشاركتها من خلال أي علاقة عاطفية أو حتى علاقة زواج وعلاقة القرابة غير مُستثناة والتي قد تنشأ بين ذكر وأنثى. ينمو جسد المرأة ويتقلص وعيها الذي من خلاله تنشأ علاقتها بالمتغيرات فمن الطبيعي لحميمية العنف سواء الملموس والمُلاحَظ أو غير الملموس والمُلاحَظ، المُرتكَب بحقِّها أن تغوص أكثر إلى حد الاختفاء بشخصيتها الحقيقية؛ الساكنة باطنها، والترجمة الخاصة بهذا الإختفاء تتضح على حين الاقتراب من بعض مناطق الحساسية في شخص الفتاة المرأة، عدا عن ذلك فإنها لا تسعى أبدا إلى النظر بعين الحيادية بالمُطلَق لما تعيشه وما فيها، بل تبتكر طرقا أكثر لإخفاء هذه الأزمة وقد تصطف بجانب الذكر كما تفعل أمهاتنا وجدّاتنا هنا في هذه البقعة، ومن انتبهن أقلة، وقد اكتفين بالانتباه فقط، وأكملن خط سير الحياة الخاص بهن دون محاولات للعلاج السلوكي أو الروحي أو الفكري المناسب؛ الذي قد ينقذهن، واللواتي حاولن أن يتصرفن بالتزامن مع الانتباه المذكور آنفا تحولن لآلات لا تفرز إلّا أمراضًا عقلية ونفسية ومن أبرز الأمثلة على ذلك؛ النساء اللواتي ينشطن في الحركة النسوية في الوطن العربي، ومشهد العلاقة اليوم بين المرأة العربية وفكرة النسوية وأشكال تطبيقها مشهد مثير للشفقة لأنها راية الاعتراض التي لا تقدم حلًّا لأيّ قضية جمعية أو حتى فردية من قضايا المرأة العالقة، بل تزيدها وباءً ومرضا وارتباكًا من خلال التشيؤ الطارئ على هذه الفكرة واستغلالها أيديولوجيا ومأسستها وتحويلها إلى بروباغندة إعلامية أو ظاهرة شعاراتية وصوتية لا تسمن ولا تغني من جوع.
لا حل للمرأة هنا سوى الرهان على انتباه ووعي الأهل في البداية والمعاملة أحادية الصورة التي تتناصف بين المرأة والرجل والفتاة والولد، والرهان ساقط قبل استئنافه لأنَّ الأهل هنا لا وعي لهم إلّا الوعي الذي ينتهك حرمات كل شيئ، وليس المرأة، الذكر ليس مُستثنى أيضًا لكن بسرديات تغاير سرديات المرأة. حال المرأة اليوم في الشرق الأوسط وحال تركيبتها النفسية والعقلية حال يرثى له وسيء للغاية مما أفرز هذا التخلف القاهر الذي حطَّ بثقله على فلسفة علاقة المرأة بالمتغيرات، مما أفرز هذا الكائن المأزوم والمهزوم والمتخبط، الذي لا يحتاج إلّا الرأفة المُجدوَلة والمُجرعنة والموزعة على مناطق العلاقة المجتمعية بالمرأة العربية حتى يصح جزءًا منها لا الكُل اقترانا بمستوى العقلانية الموجود هنا.