الكاتب: هاشم شلولة
كان كل شيء غائبًا منذ البداية كأنه أنت، كأنّه وجه المدينة الراقص فوق مسرح التأملات لما كان وما هو كائن.
لو قلتُ بأنَّك لم تُغادر؛ ستُقاتلُني ظلالُ خلودِك فأنت الموت، وهو أنت، وكلاكما رهن بيد الخليقة والوجود والسنونوات المُتعبة...
محمود أصغر الكبار، وأكبرهم وأوسطهم وراية الصراع الإلتباسي المجنون بين ما هو مُراد من حقيقة الجموع وحقيقة الشاعر العدم، الصامت، الذي يكبر ويعبر كمصيبةٍ، ككارثة، كوجههِ قبل أن يقرِّرَ عدم الاعتذار عما فعل...
تكبُر الآن يا درويش كما تكبُر الطيور الغريبة، لأنَّ مدينتنا معًا أكسبَتْنا صفة العبور؛ الذي لا يتوقف عن ملامسة الثبات، تكبر في موتك، في غيابك، في صغرك، في خلودك ومؤقتيتك... تكبر لأنّك تصغر، وهكذا تصغر وتكبر معًا.
للشواطِئ والمطارات والمرافِئ... تسرد خُطاك الغائبة جمال القُبحِ وعلانية السر وسر العلانية؛ لأنّ نموّك ليس إلّا ضدًّا للخرائف والخرافة وغواية الصحاري... فاكبُر كيفما تشاء؛ لأنّك من تمتلك زمام رحلتك، أنت القبطان الذي لم يخُنه البحر، لكنّ الملح أغوته لحوم المراكب والبواخر كما أغوتك الزمنيّة يا شبح التغريبة.
محمود فتى القبيلة الذي خَرَّت وتخِرّ له الجبابرُ ساجدةً وباسم طلالياته مُسبِّحة كما فعلَتْ مع موته المونودراميّ التجريبي الطارئ على الموت (الموت الذي شكَّل الرفيق الاستثنائي لمحمود وفنّه وملامحه وتناولاته) ليحتفي _الموت_ ويحتفل بحياته معه، يعيش الموت مع محمود لأنّه صاحب الاسم والجنازة وحامل النعش، وقد يكون الميت ذات ليلة.
كان موجودًا، وأصبح كذلك لأنَّ الزمنَ لا يقوى على التَّقاطُع مع نقيض وجوده كمحمود، ذلك الوجود الذي أسَّسَ للقصيدة الفلسطينية العربية العالمية الإنسانية المزدحمة برائحة محمود ومراحله، وأخلاقياته التي حاولت أن تتقادم عليها الهادمات من الأنباء.
لم تُكتَب أو تُرصَد أو تُرصَف أو تُفكَّك قصيدة هنا إلّا وجاء فيها إما بغيابه وإما بحضوره، وإما بظله، وإما بحرف الميم أو الدال.
هو السؤال الآخر والمؤجَّل والصامت عما هو صامت في القصيدة وفي سؤالها، وفي ما يريد الشعر أن يؤديه.
محمود الجدل، ونثر الأسطورة للفصول، وما منحتنا إيّاه التراتيل التي صدّرها التاريخ لحنجرة الرواية من مطرٍ وحريق واحتراق وانصطهار.
الآن.. الآن يا محمود؛ تصغُر التناولات والتأبينات وكلمات الباعة المتجولين، كل شيء يصغُر إلّا قامة صيرورتك وأنت غائب، إنك تصعد نحو اللاغياب بودٍّ ووديّة ودون أن تجترحك سلالم الصعود التي قذعَت مرّات كثيرة أجساد الأنبياء. إنَّك تصعد سهلًا سهولة ممتنعة كما يصعب وصف سردية هذا الصعود، لأنّك كالكناية لا تُرى أيها الواضح.
عُد من حضورك، من غموضك، من رماد عمارك، من شهوة الموت فيك وغوايتك له.. إنَّك الآن طفلًا تحملك غجرية بين يديها برفقٍ وتشير إليك.
على الخلود أن يكُفَّ عن الجدل وعليك مثل الذي على "ريتسوس" و"نيرودا" و"لوركا"... أن تكونوا رُسُلًا آخرين وجُدُدًا ووحيدين للحقيقةِ في وقت يتنكر لأبجدياتها كما تنكَّرت مقاعدُ مدينة "كالكتا" لطاغور الرسول؛ الذي تستلهم آياتك منه أو تتقاسمها حتى لا تُجرَج.
علي روحك تدريبي على الصمت في ذكراك، لأنّ ما هو ضد الصمت والذي يُحيكه حدسي ثوبًا لا يتسع لكبرياءك.
وداعًا متكررة بصمتٍ أشبه بقولي الطويل هذا؛ الذي أقوله وأستغفر الشِّعر لي ولك.