الكاتب: هاشم شلولة
هناك سؤال يستفزني، ويؤرّق غضاضة استيعابي للأشياء والمُتغيرات. لماذا نحتك بالناس، ونجلس معهم ونفتح الحوارات؟. قد نلتحم معهم في العلاقات، ومعنى الإلتحام هنا الفضفاض والذي منتهاه التماهي. غاستون باشلار حاول جاهدًا أن ينزع نفسه من هذه المعادلة الخاسرة منذ البدء، والتي تتضح خسارتها في مرحلة مُتأخرة، وغالبًا تكون استكشافية بمُحرِّك المواقف، انتبه مبكرًا إلى مدى الأذى غير المرئيّ أو المتضح الذي يعود عليه من خلال هذه المشهدية، فظلَّ في قبوه راقدًا معتزلًا هذا التصريح العلني بالحاجة، ومُتنكِّرٍا لها، ظل يخلق اللماذائيات المُرهِقة والتي لا تنتهي، مُحاوِلًا ضمنًا تَرك هذه الفكرة وليس تجاهلها أو نسيانها بالاعتماد على المُتاهة التي تسحبنا الأسئلة نحوها، وهذا يعبِّر بشكلٍ جليّ عن مدى المُعاناة المُختبئة بين أسطر الحوار الذي بينك وبين الآخرين، إنَّ هذه المعاناة ليست مُنتبَه لها، أو مُعَد لها دياجرام توضيحي حتى لتخفيفها، ولو بالشكل النظري الذي في ديناميكية العلاقة أو محاولة تداركها، كونك فتحت حوار مع الآخر فأنت مُعرَّض لإهدار كَمّ من الطاقة التأملية الخاصة بما هو سوى الناس الذين يُشكِّلون انتزاعًا لخط التأمُّل المُستقيم، والمُوجَّه بشكلٍ خَفِيّ نحو قضايا الوجود الأخرى، والتفاصيلية منها والتي تتمايز مع مشكلة الحديث مع الناس، لكنها أجدى وأقوى وأكثر احتمالًا للخروج بمُخرَج إجاباتي على عكس مُجالسة الناس، وإثراء مواضيعهم التي تتجدد بتجدد مسار الحياة اليومية السخيف، والتي تخلق لاحلًّا لأيِّ شكل من أشكال استفهاميات المعنى، مجرد قناع نُلبِسهُ بطُرُقٍ التفافيّة لقضايانا ومُعضلاتنا الكبرى.
في منحى آخر؛ فإنَّ الاشتباك المُباشر بالناس وغير المُباشِر أيضًا، والمُتمثِّل بالحوارات والعلاقات أيًّا كان شكلها يؤكد بشفافية ومرونة، وبشكل يقطع دابر الشَّك؛ بأنَّ الوجود الإنساني الفردي هو سلوك لاصائب، انتهت المُجهولية به في هذا العالم، ليخلق أسبابًا أو رُقَعًا لهذا الخرق الحاصل في اللبوس الخاص بمنهجية الوجود الفردي، وتتبدد هذه الأسباب الميكانيزمية في التبرير الذي يستهلكنا بشكلٍ غائب تمامًا عن ذهنيتنا كجزء من هذه العملية التي تأخذ بيدنا إلى تسطيح وتسفيه والحطّ من شأن الوجود الإنساني الفردي الذي يتقاطع دائمًا مع الصوابية المُحَدِّدة لسلامة فكرة الوجود ككل. حاول إيريك فروم في كتابة "الهروب من الحرية" أن يخلق مُسوغات لطأطأة الرأس تحت المظلة الوجودية الخاصة بعلاقة الإنسان بمضمون الحياة، فتحدث باستفاضة في فصله الثاني، عن التكيف الثابت بأرضية انطلاق بيولوجية وسيكولوجية وأحيانًا فسيولوجية، وربمّا كانت مسوغات أقرب للمنطق، لأنها تسد أفقًا دهاليزية عريضة تُفرزها العُزلة، وتَدَارُك الصورة العلاقاتية بالآخرين. لكني لا زلت مُنكِرًا لأي مُتنفَّس صوابي لفكرة الإحتكاك وأستخدم الرتق الفرومي لقميص علاقتي بالآخرين المُمَزَّق.
على جميعنا الإنتباه لمثل هذا التظلُّم الذي تُقدمه حقيقة وجودنا المُجرَّدة والمُتفرِّدة بذاتها.. بطبعها، والركض الهارب كالمصروعين من أي استصاغة من شأنها شرعنة العلاقة بالآخر. علينا الإنطواء وإدراك مدى الخطورة التي يفرزها هذا السلوك المشبوه والشائك والجدلي والذي يحمل في أحشائه ألاعيبًا أخلاقيًّا من شأنها أن تضحك علينا، وتجرُّنا ناحية العش الخاص بالإدراك غير الواعي للخطأ الكبير الحاصل في فردية وجودي كموجود مشكوك في نتائج اختبار وجوده.
لهذا، كفّوا عن جُرحِ الاحتكاك، واسكروا أو ناموا، افعلوا أي شيئ، عدا خيانة العُزلة!