التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لا خلاص من الشعر

 الكاتب: هاشم شلولة


لم يكن سهلًا على نفسٍ شاعرة تقبُّل فكرة أنَّ بناءَ المجد المحدود والمُطالَبة به تلك النفس على مدار زمنيتها من الواجب أن يكون على حساب شاعريتها.. هذه اللاسهولة تحاصرُ كلَّ فكرةٍ من شأنها التأسيس لهذا المجد؛ من أجل طردها كأنَّ المجدَ مسٌّ من شيطان رجيم. الأساس لا يحلم بالمجد، وهنا سيبزغ سؤالٌ اعتراضيّ، لأنّه لا حياة بلا مجدٍ معيشيّ، وسؤال الكيف تكمله أصوات الاستمرار، إذ كيف تقصف الحياة أيها الشاعر دون أن تكلِّلَ صوت الخطى بالاتجاهات وما تحتاجه من وقودٍ لدرء الخطر!. 


لو أنَّ الله وضع فينا القدرة على تنظيم الأصوات التي تلتف حولنا؛ لاستطعنا أنَّ نعيش شعراء، ولأنَّ الشاعرَ طفلٌ يشكر من يوهبه، فيصلي صلاة شكرٍ لله من أجل تلك الميزة المُتخيَّلة. سيستطيع إخماد صوت الحياة، مجد المعيشة، الناس والأحياء المحقين في نكرانهم لشاعريةٍ توازي الحياة.. رغم أنَّ لغةً نفسيةً أخرى، تلي طرح الصوت الهادم لمجازٍ يصلي فينا، وهي سؤال يشكّل طرحه هاجسًا لإرادة المجد المهزومة: كيف يمكن أن نصيح بالمجد وقد ولد الشعر معنا كالتميمة في الأعناق؟ هل يطلب الإنسان من ربه أو غير الله أن يقطع منه يدًا أو رأسًا ليعيش؟. 


نحن في ورطة إذا ما تحدثنا عن الحياة في حضرة الشعر. ورطة حقّة حقيقية، وتجاهد نفسها وقوة الزحف المجازي نحو حسابات العقل الشاعر المتجلّي، والواقع تحت ضغط المنطق على حين حسابه حيًّا، يسعى في الأرض وينصاع لقوة الحاجات.. ماذا يجب أن نفعل لنُلامسَ عاديةً تُنشادها روح الفرد المسكون بالجماعة اضطرارًا؟. 


إننا متصلبون أمام العجز عن الخلاص من الشعر، ومتعبون من ضجيج النداء علينا من قِبَل ما كنا نقوى على كبحه سابقًا، ولم نعُد نفعل الآن.. لأنَّ القهرَ دافعُنا الجوهري للشعر، القهرُ من تلك الحياة التي تطالبنا اليوم بقتل الشاعرية، القهر من الأصوات التي ترتفع بالتوازي، القهر من التجربة والبحث عن المعنى والفشل في بلوغه، القهر من لغة الأشياء كاملة ومكتملة.. فلماذا إذن بعدما استطعنا إحصاء كل ذلك ووصفه وتشريحه للشعر بالقصائد الذبيحة.. يجب علينا الاستغناء عن الذي فتح لنا أذرعَه بعد كل اللافظين من سواه؟! 


بالشعر أكمل روايتي وأكتمل، وكلّ نقصٍ في إجابته علوٌّ.. فالمجد هو الشعر، وليس العكس.. لذا؛ سأفتح جرح قهري مرة أخرى، أضع الشعر فيه ومن ثم أغلقه، وألقي بنفسي في غيابات الحياة غير راضٍ وأكمل التأمل في الزمنية. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...