التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوعي المذهول

 الكاتب: هاشم شلولة


الحقيقة أن وعينا في هذه المرحلة تسكنه حالة ذهول قوية، سبقَتْها حالةٌ من الثقة العمياء؛ مُما ضُربَت فكرتنا عن أنفسنا ضربة في العمق، هذه الضربة ستؤسس لفلسفةٍ مَواقفيّة جديدة، لا تشبه التي مضت، تجعلنا نعيد قراءاتنا لمجمل تصوراتنا عن الظواهر والأشخاص والدور المنوط بنا كتكليف قسري من الحياة.. يجب أن نغير جلستتا ونهرب هروبًا طوعيًّا من وهم انتظار النتائج. 

يخبرنا هذا الزخم المتتابع من الصدمات بنبوءةٍ صامتة وعلينا أن نختلق النتائج بأيِّ مسوَّغات كانت حتى نوفر هذا الركض الضال من أجل الوصول إلى تشكيل أنا دِسمة نستعيض بها عن النواقص التي خلَّفَتها فينا بداياتنا. إعادة الحساب؛ تأكيد على سواءنا باهظ الثمن والمفهوم سَلَفًا بشكلٍ خاطئ باستمرار. 

ما حدث من مفاجآت في الحياة تتزامن مع قبضنا فوق جمرِ قادمٍ مجهول ومُمزَّق، مما تكبر المأساة كما يكبُر الندم على بطولةٍ مُبتَكَرة بشكلٍ هازِئ ومشاع ولا لون له. 

الفِكاك يجب أن يكون عاجلًا وسريعًا من هذا الإلتباس الخاص بقرائتنا لأنفسنا؛ هذه القراءة المأزومة والتي تُشكَّل خطرًا أدبيًّا على تناولاتنا للأشياء وطريقة رصدنا للحقائق. الفِكاك مرتهَن بخصوبة الحظ الكوني، لهذا سيتأخر الفِكاك، ويتوجّب أن نستلّ من كل هذا العدم رؤية تنتزعنا انتزاعًا من خاصرة القلق بإرادة الحياة أو الموت أو لعبة اليانصيب التي تلعبها معنا الأقدار والمواعيد المؤجلة وضياعنا.

لا بُدَّ إذن؛ من إعادة بناء المفاهيم وصياغة شكلًا آخرًا للموت الذي نحياه وسيحيانا في نهاية المطاف بعد كل محاولات الانتشال التي مضت دون أن تحقق غايتها في رسم خارطة نجاة تخلو من الالتباس، والفهم الخاطئ لذواتنا، وترتيب فوضى عقولنا.

لا بد من السعي بأمل الانتحاري إلى الهروب، الهروب من التواءات المصير، الهروب من أخطاء النساء العربيات، وسرديات تراثية سلوكية ورثناها عمن سبقونا من العباد الأشقياء.. لا بد من البحث عن السكون، والصمت.. الصمت الطويل لأن نجما غاب ونحن نريد النوم، ولأن الأجراس تؤذينا لم ننم، بقينا في ظلام الأرق المُكتحل الأصم.. الذي يخلو من التفاسير، وأدوات الوصول. 

نحن آخرون؛ لسنا ما يُرى منّا.. نحن متعبون لأننا سؤال كبير، لا إجابة له.. فلنهدأ أو ننام أو نعلن انسحابنا بهدوء من معركة خاسرة منذ البداية.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...