الكاتب: هاشم شلولة
ركودٌ عميق يحتلُّ انفعالاتنا، والغريب أننا ندرك هذا الركود، لكننا لا نحرك ساكنًا أو بالأحرى لا نستطيع. وساوسٌ كثيرةٌ تُلاحِقنا، لكنّها وساوسٌ صامتة، تأتي كذلك وتذهب كذلك، صامتةٌ خفيفة كاستجابةٍ لهذا الركود، وكعَرَضٍ من أعراضه.
المشاهدة لهذه المسرحية؛ هي خيرُ فعلٍ لكَيّ هذه المهزلة، حتى أنَّني أكتبُ الآن بشكلٍ راكدٍ، يشبه وجهَ الأشياء هنا وأتساوقُ مع فكرةِ أنَّها مهزلةٌ بشكلٍ عاديّ. لا ردود أفعال، حتى الانفعالات بات صوتها مختنقًا. غيرُ قادرٍ على معرفةِ أيَّ فاتورةٍ أدفع لكنّي أعلم أنّي إنسان خَمَدَهُ الإحساسُ بشكلٍ مُهين ومُرتاب وفي غيرِ محلِّه.. أظنُّهُ خمودًا أبديًّا، وأعقدُ أملًا على الوقتِ وهو غير المُوتمَن في تلطيف هذا الخمود وتدعيمه بأسبابِ بقاءٍ جديدة، وجَعْلِه درجة من درجات القناعة حتى أتخلَّص من دوافعِ النَّدم التي قد تنشطُ بين الفترة والأخرى.
الحقيقة؛ أنَّ تتابع الإحباطات والإسقاطات خلق منا هؤلاء الأشخاص الذين فقدوا المعنى، وطُرُق التَّفاعُل مع الحياة، وانزووا في منطقةٍ ما من مناطقها المُحايِدة بشكل الحياد المُطلَق، الذي يصل مرحلة الانسحاب.
نصبحُ هؤلاء الذين فقدوا الشهيَّة واللَّهفة ومُسوَّغات الحضور، وبعدما نقطع شوطًا كبيرًا في حفلةِ الفقدِ هذه، وبعد أن نكون قد استُنزِفنا؛ يتملَّكُنا صدودٌ غيرُ عاديّ عن كُلِّ ما هو نشِط أو ظاهر. نفضِّلُ الاختباء الدَّائم، والسيّر في الشوارع الفرعية.
يصبح وجود الأشخاص في حياتنا مثار ارتباك، يكفينا شخصٌ واحد، لتسهيل التَّفاصيل الحياتيَّة ومشاركته بعض الصمت لأنَّ في ذلك أحيانًا حاجة. لا نحتمل أشخاصًا جُدُدًا في حياتنا، لا نفضّل رؤية الناس، ونبقى رهائنَ لأسرارٍ ليس لها وجود.
قد نمضي في هذا الطريق، ونحن نعلم وندرك جيدًا واقع وجوده الساقط والمُنحَط والتباساته ومفاهيمه الغامضة، لكننا نُكمله ونتماهى مع مراحله، لأنّنا لم نعُد نطيق دفعَ فاتورةٍ جديدة في حال اخترنا طريقًا آخرًا إن توفَّرَت خيارات أخرى. هذا الطريق ليس سهلًا، وقد نكون بما هو أقرب للتأكيد على غير استطاعة بخوضه، لكنَّ سكوتنا المحض والقهري يُغري الطريق التي تُحب الخنوع والإنهزام.
توقَّفَت الأسئلة واستُبدِلَتْ بقلق اليوم والغَد، لتأخُذَ شخصياتنا منحى جديدًا من مناحي التوجُّه النَّفسي، وتستظل بصورتها القديمة حتى لا تفقد التوازن؛ لأنَّ الاغتراب غير المُنكَر من قِبَل الأحداث، يتقاطَع مع التوازن بصيغة من الصيغ. نحن مُغتربون، حتى أننا فقدنا القدرة على إنكار هذا الاغتراب لأجل التوازن، لكنَّ المُدهِش والمُذهَل هنا؛ هو التكيُّف من قِبَلِنا مع حالة اللاتوازن الحاصلة.
نحنُ انهزمنا مُنذ البِدء، ورضِينا بالهزيمة، وتعايَشنا معها، ليس حُبًّا بالهزيمة، بل رغبة بالثَّبات أو جزء منه، لأنَّنا فقدنا قُدرتَنا على الحركة التي نقاوم بها الحياة، وطرق هجومها علينا نحن أصحاب القلوب الغضة؛ ذات النَّفَسِ القصير في احتمال طرق الهجوم، ولا تلبث إلّا أن تستسلم؛ لأنها صغيرة وقاصرة، وغير مؤهَّلة لخوض المعارك.
الناس حولي كالنَّملِ لكنّي لا أرى أحدًا، لأنَّ معركتي مع الحياة درَّبتني على العماء، والتغاضي عن رؤية الكارثة في ظل الذوبان بها. ماذا يُشكَّل وجود الناس في حسابات رغبة التساوق المُلِحّة مع الكارثة وتحويلها إلى أمرٍ عاديّ؟. لا يُشكَّل فارقًا أبدًا، لأننا أصبحنا أبناءً بارّين للكارثة حتى فقدَتْ قوة وِقعها، ومضينا في استراحةٍ طويلة الأمد تقمَّصَتْ دورَ الرّكود. لا صوت هنا ولا صور. ركود وصمت فقط.