التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما يصل من العاشق 8

 الكاتب: هاشم شلولة


أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت.

سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني.. 


لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت. 

أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء.. 


لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من عمق الشعور بسلب الإرادة، وعادةً ما تكون مثل هذه الخيارات بالنسبة لي أصدقها وأدومها.. اخترتكِ أو أنزلَتْكِ الحربُ عليَّ آيةً من آياتِها فقبلتُ، وصرتُ أجول في نفسي وقُراها وشِعابِها رسولًا ومبلّغا؛ يحملكِ بين حبيبتيه وضفتيّ قلبِه رسالةً آمن بها.. صدّقها وسلّم. 


اسمعيني.. أبصريني أو أكمليني.. أفكّر بكِ، أتخيّلُكِ وأقدّس ظلالَكِ.. لستُ أفهم رمزية ذلك بالنسبة لكِ، لكنّي أعلّم أنني أعيش في مربّعٍ خاصٍّ من مربّعاتِ خيالكِ الاستثنائية. أعيشُ فيكِ ولكمال الظن فعيشي فيكِ هو امتداد لعيشكِ فيّ.. فقد خاب قلبٌ عاشقٌ لا يحسن الظن أو يجيده.. 


لا أدري إن كانت مساحة التفكير الكبيرة هذه فيكِ هي منحة الحرب للعشاق، أم خمر اليوم الذي غده أمر! لكنّي أعرف أنّ كل شيء بداخلي يذهب نحوكِ بالتواتر والتتالي المرتبيّن.. أصدّق ذلك غالبًا، وأتجاوزه نادرًا لأسباب واقعية، لكنّي خصمٌ للواقع، وفتنةٌ للوقيعة.. أريدكِ يا حِسان، وأريدُ منكِ إرادتك؛ لأمزج خوفينا معًا وأصنّع خوفًا واحدًا جسورًا، متماسكًا.. لينازل الكون والحرب والمعنى. 


من يضمد في آخر الطريق جرح الغزال؟ 

هكذا سأل درويش في نصف الطريق، لكنّي سألته في الميقات المكانّي _أي نقطة الانطلاق_ لأنّ حبّي كان نهاية لعالمٍ طويل من السم العاطفي والشك.. وكلّ نهاية بداية، تلك مهمّة الحب أو نبوءته إن كنّا نريد بالحب مخالفةَ اللغات وقضائها بليلية الحب.. 

المفارقة؛ أنني أكتبُ إليكِ من شكّي، ولا يحتاج شكّي إلّا الضماد.. لأنَّه جرحُ الغزال، ولأنَّ يديكِ الضماد، ولأنَّ المنعطفات تبلع المارّين فتكون الطريق قد بلغت أواخرها.. بهذا؛ تكتمل المعادلة، أو نصنع نحن معادلةً، ونجعلها بعد ذلك تكتمل بالحب، أو بالحرب، بالشك أو باليقين.. بالكلمة أو بالصدمة.. بما قد نؤمّه حين تفقدنا الإمامة.. 


كان بودّي أن أكتب لكِ عنّي، أحدثكِ عن فصول النجاة التي لم تكتمل بعد، لكنّ الآن لا يشبه الآن، أو أنَّ المشيئة تريدُ بي إكتنازًا يتبدد على حين وقتٍ يشبه الوقت المثني الذي أكون وأنتِ عنوانيّن في عنوان واحدٍ له، فتصير قصصي وقصصك قصةً واحد طويلة، محتقنة برغبة كلينا في الحديث عن نفسه للآخر ذات سمرٍ تحت قمر.. ربما، ربما.. بلغة الرجاء من الدنيا أن تأتي سرديةٌ تماثل التمني فيكتمل التعلل. 


أفكّر بكِ، فيكِ ولكِ.. ولم أكتب إلّا لأصنع التقاطع، ملتقطًا هذه الزمنية، وشارحًا الأمر لكِ، أو مخبِرًا، مبلِّغًا ربما إيّاكِ أنني لا أتوقّف عن التفكير في كلِّكِ. هل عرفتِ؟ هل وصلكِ الخبر؟ هل تؤمنين برسالتي وتشهدين بواحدانيتي فيكِ دون شريكٍ لي؟ 


دون ندمٍ بعد نصف دقيقة، فقد كتبت ذلك كأنني قد كتبته قبل الآن. 


قُبلة. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...