الكاتب: هاشم شلولة.
منذ مدة لا بأس بها، أعيشُ حياةً تشبه الهادئة، متخفِّفًا من الأشياء، أحيا مع نفسي وفيها، وأحاول باستمرار طردَ المُنغِّصات وما من شأنه إثارة حِراك في يومي، أعمُدُ لبناء حياة لا صوت فيها، لا أصدقاء، لا شُركاء. إن كان عندي عملًا أعمله، ولولا أنني أحتاج مردود هذا العمل لما عملت، لكن العزاء أن عملي يكون في غرفتي وأمام جهاز اللابتوب ويتزامن ذلك مع إغلاق للباب والنافذة وخنق أي صوت ما عدا صوت الموسيقى والتي تشكّل مصدرًا وحيدًا لتجلياتي في تلك الحياة التي اخترتها لنفسي، وإن شعرتُ بالملل من الغرفة، فإنني أذهب لمقهى قديم من مقاهي المدينة المُتعَبة، وهو ما يحدث بشكل إن لم يكن يومي، فإنه شبه يومي.. أجلس بمفردي في واحدة من الزوايا، وقد حفظ النادل طلبي، يأتي لي به دون صوت أو طلب.. أقضي عدد من الساعات أكتُب وفي أذني الموسيقى، بعدها أعود للغرفة.
هذه حياة هادئة وباردة وأنا راضٍ بها وعنها، لكنّ الوحدة ليست دائمًا على حق، وتجعل من الإنسان أشبه بالآلة، يوازي الاعتياد، ويتدارك دون قصدٍ حاجاته الإنسانية المشاعرية، لأَّن الإنسان دون مناصفة هذه المشاعر نصف إنسان، تستطيع أن ترضى بحياة كهذه وتحبها لكنَّك مجموعة من المتناقضات تحتاج إلى ما يطمئنك، ويجعل هذه المتناقضات في إجازة من عقلك الغض والمحموم حتى لا تتعاد الكيّ والقسوة والكبح المشاعري.
الحياة مؤلمة يا أصدقائي، وكل كمال فيها ناقص وليس العكس، لأنَّ الإنسان في جوهره لغة، واللغة لا تملئ، حتى أنها تتكرر ولا تمتلئ، وقد تقصي نفسها بإرادة لكنّها لا تصل لمرحلة يسكتُ فيها ارتجاف السؤال الطويل عن الآخر وارتعاده في الأحشاء لأنّنا في الأصل قبائل وقطعان وشعوب قائمة على الاستئناس والإحاطة والتطويق، إذا غُيِّب أحد حضر الآخر ليسد ثقبَ غيابه.