التخطي إلى المحتوى الرئيسي

امتلاء

الكاتب: هاشم شلولة. 


هذه الامتلاءات مهيبة الطالع، فوضوية الترتيب، وليس العكس، أخذَت شكلَها؛ لأنَّ ليلًا مبتورَ الأقدام طَلَّ جالبًا معه أساريرَ وجوهٍ كُنّا قد حفظنا علامات اختناقها، وغمغمات ثيرانٍ وضعَتْ يدُ الأبديةِ نفسها على الأفواهَ التي تُشكِّلُ ممرًّا لها. التوابيتُ الصماءِ المُظلمة ليست استثناءً من درزينة الامتلاء التي تنمو كأنّها حاجةُ عابرٍ لصلاة الخوف، العبارات كذلك، التوق الشفاف القديم  للحب، فكرتنا الأولى عن الحرية... كل ذلك، ومعه نعوت جديدة، كُنّا قد صنعناها؛ لننجوَ من التأمل الممسوس بالاجترار في هاتيك الأصفاد المتروكةِ فينا جرّاء مثل هذه الامتلاءات. 


كان التساقطُ أقرب لولا خُطى الحاجة، الفراغ أيضًا حاجة يُرادُ بها فائض، والاستعجال فيما تريده الحاجة؛ امتلاءٌ سافِرٌ بمُنعطفاتٍ حاولنا الحياد عنها مرارًا لكنَّ لغة الطُرُق الطويلة يعلو صوتها في حضرة أخطاء التوازن؛ تلك الأخطاء التي نربيها كالظلال دون قصدٍ أو انتباه، وقبل قِبَلِنا بها؛ أشربها بغتةً لعقولنا الآباءُ والأعمام ومن شجَّت أصواتُ الرصاصِ بصيراتهم، ودعَت بصائرهم تحت مجهر الشمس، فماذا تكُون البصائر حين تتسمّرُ البنادق؟. 


أيامُنا التي كانت تسير إلى جانبنا في السابق كانت تزهو بنا، وتظلُّ ناقصةً دوننا لدرجةٍ كان فيها الامتلاء غير الكامل حُلُم الصبيّ الطائش، ومن تُغريه عبارات الاتجاهات. علِمنا أن رؤية النساء إلى جانبِ أنجالهن من شرفة المقاهي آنذاك مشهدًا شاعريًّا لا تمسّه تداعيات التحوّل أو مزارات الظنون، لكن وبأسفٍ سقط علمُنا بذلك، وبأشياء تعتَّقَت شاهدُتها، تلك الشاهدة التي لم تشبع من ملامسة الزوّار، من كانوا سببًا وجيهًا للمغفرة، الذين عبرت بوارجهم المسافرة باطمئنان نحو التحف وصناعة السيرة؛ بمهارة الأولاد الفقراء، الذين نشأؤوا في بيوتٍ عاشت كأكثر الأماكن التي تتوسد واجهاتِها لافتاتُ التعريف.  سقوطُ ما نعلمه بالضرورةِ موتٌ يتدرَّج في فكرة الانقضاض على الفريسة كضبعٍ شاخَ من سُخرية الأبد، وغابَت عن سريرته أسباب المغامرة المُتمثّلة في الظفر بما يتمنى الظفر به أو ما يستطيع الظفر به على وجه الدقة ولا يفعل، ما وراء تلك الأسباب المغامراتية من شبعٍ وبحثٍ عن معنى يُسكِتُ الروايات، ونظرات مُلّاك الڤيدا المُختلّين لمن لا يعرفونهم أو يعرفون عن إيمانهم مقدار إزاحةِ عين. 


ستُدار دفّة الشيخِ نحو مُضيٍّ سميج، لئلا ينامُ الأولاد قبل العِشاء، تُطلُّ سائبةٌ على النيام؛ لتتأكَّدَ من نومهم فتفعل ما تُضمِرُ من انسلاخٍ عن الهوية والهوى، تُفتَح الأذرُع على مِقتلَيّها، تعانق من سجنوا البيداء في أرواحهم؛ لأنَّ التراكُمَ واحدٌ من أهل البيت، ربوه كما يربوا أبناءهم والبنات، بسترٍ ودونما فضيحة للغاية أو ما قد يُدركه الغرباء وقت مكوثهم واشتداد خُطاهم نحو بيوتٍ بعيدةٍ، لا يظهر منها سوى لون الأضواء، تلك الأضواء التي تغوي المهرة في صناعة حدوات الخيول؛ لإكمال رحلتها وبناءِ ما لا يُبنى. ستُراقُ دماءُ الطين بعد أن يكون مسيحٌ قد أجَّلَ عراكه مع الريح والطُّغاة، لكنَّ الأشياء ستُدرِك كم كان هذا مجرّدًا مؤقتًا، وسينتهي الصانع والمُنتظِر والمُنتظَر وصاحب الحبكة كظلٍّ في ظلام، كأُغطيةٍ نساها أهلُ بيتٍ مهاجرون على سطحه منذ عقود فبهتت من التلاحُق والتعاقب، صارَت ملاذًا للطيور؛ تصنعُ من خيوطها أعشاشًا. صار الانتهاءُ بدايةً للبررة، ومضت الأشياءُ بنزفها ممتلئة، تحاول أن تصرخَ لتتخففَ من هذا الثقل، لكنَّ الحناجر من تعب، تهزمها الرغبة. 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...