التخطي إلى المحتوى الرئيسي

وحدة

 الكاتب: هاشم شلولة.


إنَّ وحدتي هذه لم تتوقف عن منحي أسبابًا وجودية للأشياء. هذه الوحدة التي تأتي خفيفة، وثثقلها عراكات الذاكرة المُستمرة مع ما هو واعي، وغير واعي. إنها لغة لا يتوقف التاريخ الزمكاني عن تعليمها للحشود الإنسانية المُتعاقبة، لإخبارهم بشطحات الأبدية، نحن نعلم بأنَّ الوحدة بكل ما لديها من قدرة على خلق فوضى مثالية منتظمة كدافع للوجود، لا تستطيع منحنا ولو جزءً بسيطًا من اللذة الغامضة التي يمنحنا إيّاها التفاعل مع البشر كجزء من نظام الطبيعة. الوحدة تجعلنا نرفض الأشياء وهي ملتفة بماء ميلادها كفكرة. 

ربما تفترسها محاولاتنا للحياة لكنَّ النار حين تنطفِئ، يبقى الرماد يئن من هشاشته. ماذا يجب علينا أن نفعل لنتلاشى جنون الوحدة؟. علينا التأخر كثيرًا في اختيار رغباتنا، وتأجيل النشوة. علينا ألّا نتعلق بالمجاز؛ كأنّه النبيّ المُنتظَر الذي يحمل الرسالة، التي ندرك فيها عمق شعورنا الذي صرخت به الوحدة في آذان اللغة. هل أخطأ "نيتشة" حين أنبت من الوحدة مشهدًا فلسفيًّا نقوى به، ونحتمي من ظُلمة الآخر الذي يعتقل جزءً منا بهذا الإحتكاك المُفسد لصفو وحدتنا الأبدية الشفيفة؟. ربما انتبهت المفاهيم إلى الخلل الجلل الذي تحدثه الذات المتفردة بكينونتها مبكرًا فتوقفت عن منح نفسها للميكانيزمات ودوافع وجود الوحدة، وترقيتها أحيانًا لسمة من سمات الشخصية الإنسانية في حال استقبلت  هذه الشخصية معطيات كونها وحيدة بشكل سلس وانسيابي.




الوحدة التي لطالما شكَّلت مونولوجًا عريضًا للطقس الوجودي الفردي، بل وجمّلته إلى أن خصصت له مساحة في الفن كإضافة جمالية لمُفرزَات هذا الطقس؛ لم تسكت _الوحدة_ أبدًا عن محاولات التقريب بين الأزل والأبد بشكلهما السؤالي المُتعِب للداخل الإنساني المرتاب بشكلٍ دائم. الوحدة التي نعرجُ بها إلى القصائد، عرفنا منذ زمنٍ بأنها سببًا ضروريًّا لمعرفة الأشياء، عدا عن أنها الحيز الأوفر حظًّا للتأمل في بقايا حُطام المهزلة الوجودية، التي تبدو كرسمةٍ كاريكاتورية مُضحكة إلى حد الإستفزاز. إن وحدتي هذه؛ لم تتوقف عن منحي الثقة للتأمل، والقدرة على استجلابي بكل ما في ذلك من قسوة.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...