الكاتب: هاشم شلولة
لم يتغيّر كلُّ شيء كما يعتقد الجميع، بل أمطرت الحياةُ أحداثًا وأسبابًا كاشفة، وبتتابعٍ لا يسمح للبصر أن يتوزّع أو يرى كليّة الزاوية.. عرَّت كلَّ شيء، وذرته بكامِل أعضائه واقفًا في مهب الريح. لم تكُن تلك المساحة المخصصة لوجع الأشياء بهذا الترف، لأنَّ السفالة كانت في مرانها الوجوديّ المُستعِد لنِكاح الصور، وإشباعِها بالتواريخ التي تدل على آثار المسامير في الأجساد وطينة الأمل اليابسة، التي صارت صلبة في مساءٍ صيفيٍّ حزين.
اليوم، بات الوضوح مرتديًا ربطةَ العنقِ، ويسير بخُيلائه في الشوارع العامة، بات مرئيًّا تاركًا وحدة الرغبة المتراصّة تشكو فوضى الجهات وجهات الفوضى.. إنَّ الاستنشاق المرصّع بالروائح الدخيلة لم يهَب الحِيَل ولا نقمة الفصول الجليلة.. لأنَّ الأسماء اتَّخَذَت من الأوكار المنحطة فنادق، ولأنَّ الرجال تعفّنوا في سراديبهم، وكلما مرَّ مارُّ؛ حصل على حصّةِ أنفه وأكمل مرورَه ناحية اللاشيء واللاصوت واللامعقول الذي يتقيَّأ معقولاتٍ كثيرة..
كالماء فوق الحطب المشتعل أنت أيها الجالس بالباب تأملُ بارجةً، وتتأمل أسبابًا شديدة الحرص على بقائها.. كلّما نفخت بوصلةٌ شائهةٌ بفمها في وجه الاشتعال زاد فورانك.. هيهات أيها القصيميّ الآخر! ماذا يعني هذا الفوران الأهوج! ما قيمته إذا إندلقَتْ الماء فأطفأت ما ظلَّ من حطبٍ ملتهبٍ؛ يدلُّ عليك، ولا يُنسيك نفسَك!
أناك وثلّةٌ أخرى من الأنا تجترُّ هذا المرور السحيق، لا تشاهد، بل تلطم لطمًا يثيرُ شفقةَ الليلِ على امرأةٍ بكاملِ فُسحتِها؛ دفنها هذا الكشف المبين ومعدوم البصيرة في حفرة الممكن البشريّ الغامض، الذي تلا ممكناتٍ كثيرةٍ، امتلأت بالدماء كأنّ هذا الممكن جرّةٌ من جرار الله أودعها على كتف أحد الرجال الصالحين.. الذين خيّبتهم روائحُ كبروا عليها، وألوانٌ لا زالت تقبع فوق سهل الذاكرةِ الصعب؛ الجامح والمتعَب في آن..
أين فصاحةٌ سترها الرسولُ من أقوام كافرة بالمعنى ورحمٍ ظلَّ ملتحمًا بالزمنية؟. هذا وعد الخيام، حين يطليها النواطير بدهانٍ غير الرماديّ؛ الذي لم يهُن على الاكتمال اللوني المُراد من نوائب الدنيا الخفيفة، التي أثقلتها الفضيحةُ بمهام لم تكُن يومًا وسيلةً للرب أو أبنائه.. وغدت كلُّ الدلائلِ متحدةً مع السياط، مع لحى عبدت الخواء الطويل، ولم تشبع منها عُقَل أصابع مؤمنين رأوا في كوابيسهم حزيرانَ يرقصُ كما ترقصُ لارحمةُ ما وصل إليه الأسيادُ الرماديون من وقتٍ حليمِ الأذى وشديدٍ على المطايا التي لم تخبر حائطًا بُحلمِها يومًا رغم أنَّ أقدامًا كثيرةً ركلت بطنَها الحاملَ جنينًا..
بعد كلِّ هذا التراث من العويل الذي رتقته بصيرةٌ نازفة، وبعد كل الخطوب التي خنقت السنابل، وبعد حضارةٍ أخبرَت ربًّا أنَّ خططه في طريقها الصحيح، وأنَّ الذين جاؤوا أباهم عشاءً يبكون تعدَّدوا كشهر آيار، وصاروا قبائل لا تردّها الريحُ إلى مهاجعها.. الفجر أذَّن في العشاء، بعد أن سَكِرَ الجمعُ وتعطلَتْ المواعيد.. بعد هذا كلّه، سيصلي الآثمون، والشعراء سيُكمِلوا رفعَ أيديهم العبثي للغيم، والغيم يسخر..
تلك مذبحة الكلام، تلك أرصفة الهلام!
