الكاتب: هاشم شلولة
أعجبُ من أسماءٍ تكارَت مناهجها كيّ لا تلمح الصحراء الصامتة الثابتة في النفوس، وأضاءَت عتمتها بحفنةِ تكراراتٍ ملَّها الشهود، ومن يقدّمون القهوة في مقاهي المدن الفقيرة مُتّضحة تمايز الطبقات، وصعود البهاليل وهبوط حمّالي الفوانيس وسط هذه الجوقة الغامقة من الألوان المصطدمة بديهيا مع الزمن.
سأل السائل المتأمِّلُ سخريةً: ما معنى هذا الانشطار؟
بعد أن تغوَّط بالسؤال من فمه، قام بحذفه لضرورةٍ قد تكون حقّة في تقديم ذاتها كضرورو. قال في نفسه: ربما تلمحني عينٌ تصطفُّ حول سواحلها القَذاة، فتكون اللمحة إحاطة حديدية مسعورة، تجعل من القلم وتلك الكتلة الصغيرة التي في الرأس مجرّد ماضي؛ لا يفتأ يكون على لائحة استذكارات شتائية عند اجتماع الصعاليك، والطواف حول نارٍ تُعرِّيها الوجوه.
أخوةٌ قدماء راودوا الجرأةَ عن نفسها، ولم ينهروا صوتَ السائل فيهم، قمعوا رغبة الأصابع بالحذف؛ فأصابهم مطرٌ بلونٍ، وكما تعلمون؛ فالماء يمقت اللون لكنَّ المعجزات تتقوّلُ على من يميزون نكهات القهوةِ الأقاويل، وتُعيدُ أيامَهم لما قبل القول وحاجة الأطراف للخربشة عمّا يُنازِل أسوار المدينة، التي جعل منها السوق القديم مِلكًا لمن ينهالون على زوجاتهم بالسياط في المساءات غير المرجوة أبدًا، التي تُشكِّل لعنةً في حقيبة باعة الأمشاط والأحزمة والدبابيس...
أخوتي الذين انحرفوا بعد ذلك وأغوتهم العادة، قلتُ لهم قصصًا كثيرة عن الإكتفاء بتأمُّل واجهات البيوت والمحال التجارية ذات عصرٍ، قلت لهم عن سيّدةٍ تجلسُ ببابٍ قديم، تنهرُ الناس بصوتٍ عالٍ يُترجِم هستيريا مكبوحة، وتمتنع عن التعازي، وإذا صادفَتْها أغنيةٌ؛ تحاول سحبَ الصوتِ من رأسه لِما وراء الباب، وترقصُ في القبو على ألحانها؛ لئلا يلمحها أحدٌ سعيدةً، ولأنَّ الرقصَ تحرِّمه شريعةُ مملكة إشنونة السومرية أقدَم من جار، وأحدث من يستبضعُ الجور. قلتُ لهم عن خوافي لا تكفّ يدُ الظاهرة عن شجّها، وتركِ علامات الشجِّ على جسد هذه الخوافي الخجِل اليابس. هل ننفذُ من أقطارِ ما نرى بعد ذلك أم أننا لا ننفذُ إلّا بسلطان؟
كانت الوجوه المُقنّعة سيدةً على الأرضِ؛ بخطواتِ جلّادٍ نحو رجلٍ معصوب العينين، يجلسُ على ركبتيه وسط الساحة، حاجبُ الشمسِ يُضاحِكُ مالِكتَه، والناس جميعًا في اصطفافٍ تختبئ بين ثناياه ابتلالاتٌ في زيادةٍ مُستمرّة. لم تُفَك الأقنعة، وباءَ المعصوبُ بغضبٍ من الجلّاد وآخرين أسقطَ الهواءُ قناعَهم.
لوَّن الدمُ الوجوه، وكانت مجموعةٌ من الرسامين فوق الجبل قد أعجبتهم تلك الوجوه التي تصافِح الدم، وتجعلُ من الجبهاتِ مزارًا لأصابِع كانت يومًا تحفُر في الأرض عن الأسماء، ولم تجدها كما لم تجد المدينةُ ثائريها. رسموا ما رأوا رصدًا وانطباعًا، وبعد ذلك أحرقوا كل شيءٍ، فهبّت عاصفة، وفي العاصفة نثروا اللوحات وجفَّ على الوجوه الدمُ.
