التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحاجة من الحياة

 الكاتب: هاشم شلولة


أحتاجُ من الحياة الكثير، لكنّي لم أعُد أريد شيئًا.. 

قد تكون هذه العبارة مجرد انعكاس لحالة اكتئاب ضخمة، تحطُّ بثقلها على صدري. لكن حقًّا؛ لم أعُد أريدُ شيئًا، وذلك ليس قرارًا بل خلاصة لردود أفعالي تجاه أشكال الحياة المختلفة. رغم أنَّ ما فيّ من اكتئابٍ كلّه من صنع آخرين، لكني أعفيهم جميعًا، وأعرف أنَّ من يختار عليه دفع فاتورة هذا الاختيار.. لكن الفريد في ما عاد عليّ من اختياري هو التباين الواضح بين حجم البضاعة وحجم ثمنها.. حتى المقايضة ليست كلها السبب؛ لأنَّ ما بي هو تجسيد لحالة يُتم مطلقة في زمنٍ مات فيه الآباء، والرجال الغرباء الذين قد تصادفهم ذات حديقة خالية فيفهموا أوجاعك، ويمسدوا بأكفّهم عليها فتهدأ.. 

إنَّ الزمن وأسئلته التي تبدأ من عندك، وتنتهي فيك.. محضُ ندبةٍ في الروح. فتتالي الندب وتتشكل؛ لتصنع منك هذا المُتعَب الجريح، الذي لا يتوقف عن النزيف بصمت. حتى لو كُتِبَ لهذا الجُرح أن يتكلم، فماذا سيقول؟ فقولي "بصمت" ليس أكثر من قول نعتي. كل ما أريده حتى لا تندثر رمزيتي بشكلٍ نهائيّ؛ هو الحفاظ على هذا الصوت الواصف للأشياء فيّ، فأنا لا أريد لوحدتي مؤنس؛ لأنَّ وجود المؤنس من عدمه سواء، لن يقدّم أو يؤخر. لا أريد هدوءً أيضا، فهو يشبه نقيضه.. حتى أنني لا أجد سببا مقنعًا لأن أكتب ذلك إلّا أنني اعتدت أن أكتب، وتشبه كتابتي لما أحس به مشهدَ الفرقة الموسيقية على متن سفينة تايتنك، الذين غطتهم المياه بالتدريج، ولا زالوا واقفين في مكانهم يعزفون توازيًا مع لحظة من لحظات اللاجدوى المُطلقة. 


إنَّ الرياح القوية تفقد قدرتها على الاقتلاع بالتقادم، وهذا ما يحدث. الطبيعة والزمكان وأنا والشعور.. كلُّنا نقعُ على خطٍ واحدٍ مستقيم دون أن نستدرك، ماضون بكلّ هذا الثبات إلى عنوانٍ واحد، ربما إلى كلمة، وربما لا شيء.. فللرياح ثباتُ أقدامٍ، وسأم. 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...