التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الألم الفكري

 الكاتب: هاشم شلولة


نوازع الألم الفكري تتماثل مع نوازع الشفاء منه؛ من حيث رغبة المفكّر في الثانية، وخوفه من الأولى.. هذا الخوف الذي يتحوّل في النهاية إلى نازع من منطلق البحث عن سبب الوجود وصولًا للبحثِ عن معنى. يثير الألم الفكري في نفس حامله ثلاث محاسيم تساؤلية رئيسية، وهي؛ مستوى العلاقة بين الكون والأعراض.. من حيث أنَّ الكونَ حصّالةُ مشاعرٍ يتم تحريرها وقت الحاجة الملحّة للتجسيد من قِبَل الحواس المُطلَقة أو الأزلية ارتباطًا ببقاء الجزء بالتوازي مع مسيرة الفرد المرئية المحدودة. وثانيا؛ محاولات المفكّر الاستفهام عن تجريد حالة الألم من مألوف أسبابه، فيصبِح في طور من النزاهة تؤكد على ثابتة أنّه مفكر، في الغالب تكون هذه الآلية باطنية، لا تستعين بالوعي قدرما تصلنا من التجلّيات والانغماس في المهادنة مع ضديّة الحياة المُعاشة من قِبَل الأقران، هذا بالتأكد نسق هام للاستدلال على مستوى المفكر القويم والخالد. ثالثا؛ عيش حالة من اعتقال الذات، والتحكُّم النفسفكري بمصيرها، بمعنى ابتكار الأدلجة الموضوعية من الفرد لنفسه واحتياجاتها ورغباتها وضعفها وقوتها وكبح جماحِها وإطلاق العنان لها... فتصير الذات محدودة التعابير فيما هو سوى الأفكار، وهذا بالطبع سيخلق تلك الهوّة الأشد عزمًا بين الإنسان وخط السير الأحداث، فتُفهَم حالة القطيعة مع الواقع والتي تنشب تلقائيًّا على أنها مرض.. المفارقة أنَّ هذه الجدليات نفسها المختصّة بالألم؛ تشكّل قاعدة الانطلاق نحو الشفاء إذا ما استطعنا التحديد والملامسة.. إضافة إلى الاعتقاد البعيد عن المُطلَق؛ لأنَّ المرونة الوجدانية هي تفكّ وتربط الاحتمالات الخاصة بالألم، وكذلك الشفاء منه.. وللإجمال: فإنَّ أهم قاعدة فلسفية هي الحكم القطعي لصالح الألم، وأن الشفاء مجموعة من الزيارات الفريدة التي تخضع لطقس ومزاج الأفكار الفلسفية الآنية التي تكون في حالة من الثقة في وجدان المفكّر. 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...