التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جوهر العطب

 الكاتب: هاشم شلولة 


نولدُ في بقاعٍ كالتي نعيش فيها موتى، ونُربّى موتى، وكذلك.. نعيش الحياة، "لا أهلٌ ولا ولدٌ" ولا بيئةٌ كالتي ينشدها الحيُّ؛ ليُكمِلَ هذه الحياة. المعضلة أننا قد نجد تلك البيئة، وقد تشبه ما نعتقده.. لكن كلَّ إيجادٍ متأخِّرٌ؛ فنحن متممة التجربة التربوية ومحصّلتها، كلُّ مكانٍ سوى أول مكان.. نكون فيه غرباء ووحيدين، والمكان الأول نكون فيه مألوفين برفضٍ قاطعٍ عنوانه المعرفة القهرية، التي جرّتنا من أعناقنا لكشف الوجه الفاضح لمنابتنا. فيغادِرنا كلُّ شيءٍ إلّا الجسد الهامد، تصبحُ العقائد والأفكار واللغات والأوساط الأخرى بالنسبة لبواطننا.. مجرَّد مادة للسخرية، وليس ذلك لأنَّنا أكبر من كل ما ذكر أو أعمق أو أكثر معرفة.. لا، بل لأن بساطَ التربيةِ الخاطئ لفَّنا ومكامن الانفعال ورؤانا والبصائر.. إذن؛ أنت وحيد تماما، وليس بائسا أن تكون وحيدًا، وليس تصريحًا بالحاجة للبشر بقدر ما هو توضيح لحالة التعالي البشري التي تلاحقك، والدليل.. أنّك خلال خط سيرة الحياة، عرفت بشرًا كثيرًا، وتعرفت عليهم وعشت معهم، لكنَّ وحدتَك لم تغِب مرّة واحدة.. العطبُ فيك، أنت تتعالى لأنّك لم تجد نفسك هنا أو هناك أو في أي مكان.. والقاسي أنّك لن تجدها في وحدتك أو هذا التعالي. تعيش منفيًّا غريبا محطمًا، وربما متقاعدًا من الحياة معتزلًا لها.. وكل حالة شعورية بالنسبة لك لا قيمة لها أو قوام، ويحدث ذلك حتى في أوضح مشاعر قد ترتديك على وجه الصدفة.. 


إن الوجوه إذا أدركت الحقيقةَ شاهت، وانعكست شوهتُها على الروح لتشيخ، وتسلخ نفسَها من حكمة السير الزمني المضني وسردياته الاضطرارية.. التي سيكون الموت فيها مقابلًا لخطأ التعامل معها وفق ميثاق براسايكولوجي. لهذا، أوقفوا نزف سؤال التشارك، ورتِّبوا غُرَفكم والسرائر والأسرار، وأغلقوا الأبواب بالنواجذ، ولا تسمحوا لرغبة الاستئناس أن تغويكم، نحن لسنا شعوبًا أو قبائل.. نحن أفرادٌ، يصرخُ كلُّ واحدٍ منا في زاويته. 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...