التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في أحاديث الأديان والتضحية

 الكاتب: هاشم شلولة



أؤمن بدور الأديان الخلّاق إيمانًا كبيرًا، وأعلم أنَّ لها الباع في تنظيف الأرواح من غبارها، وغسل هذه الأرواح التي تتوق دائمًا لغذائها.. وأؤمن أيضًا أنَّ كل فعل ديني تدميري هو صناعة يد باطشة تنتمي انتماءً قناعيًّا للدين. 

أما عن فلسفة الدين من حيث الانتشار فغض الطرف أقوى وأحفظ للوجود البشري؛ لأنَّ الإنسان كائن غير مكتمل، والأديان هي الحاجة الكبرى لبناء هذا الاكتمال الذي لا يعكس بحث الإنسان عنها إشباعًا يُراد به اكتمال، بل جوع لبناء الإنسان الموازي المُترَع بخيبة الوجود من حيث أنه كل ما هو موجود (أي الوجود المحض) والدليل أنَّ الذي عاش كذلك، عاش نكرة مُنكَّلًا به من قبل محضيته الوجودية. ولكن على أحدنا أن يفهم أنَّ الدينَ مشهدٌ حلوليٌّ، يُناط به فكفكة الظواهر وفق الحجم الإنساني الاستيعابي لها بعيدًا عما هو متجاوِز لهذا الحجم الروحي والوجداني والحسي.. 

أما عن الالتزام بشعائر هذا الدين فهي فرض عين لمن أراد الاتِّباع كما ينطوي ذلك على أيّ التزام يقرره الإنسان؛ لأنَّ في ذلك مسؤولية نفسية ذاتية قبل أي تسمية أخرى.. ولا يعني ذلك أنَّ مثل هذه الشعائر لها تاريخ وحقيقة انتشار وتراث طويل من الصيرورة الخلافية، ولماذا لا نفهم أنَّ وجود هذه الشعائر قبل وجود أي دين (بخصوص المعنى) لا يلغي قداستها الدينية، وأنَّ الدين أمثلها ورفعها وكان ثورةً على شكلها التقليدي الذي سبقه.. كما الأضحية، وكما دين النبي محمد عليه الصلاة والسلام كاملًا حين جدَّد أخلاق العرب ورسَّمها وثار على تخلّفهم وجهلم.. 

حين آتي بتاريخ الأضحية، فأنا أرصد تاريخ محض ومراحليته.. من ضمن هذه المراحل هو مرحلة تناول الدين الإسلامي لها بل وتهذيبها وجعلها أقرب للمنطق والاستيعاب.. ففي العصور السابقة كانت الأضحية شبه مجانية ومن أي شيء.. أما اليوم فهي من دماء حلال علينا، وهل هناك أسمى من الدم ليُقدَّم قربانًا، ولا أغفل عن الشعور الروحي الرائع الذي يكتنفني في كل عيد أضحى. فتلك الظاهرة تؤدّب في الأنفُس حاجتها، وتؤكد على عدم مجانية الوجود البشري الذي لو شُعِر به فسيُفنى الإنسان نفسيًّا وأخلاقيًّا ومعنويًّا. 



المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...