الكاتب: هاشم شلولة
ثمّة انسجام غريب وعريق وقد يصل للمخيف بين الكون والهاجس، يحدثُ أو يُترجَم هذا الانسجام حين ترسمُ بواطنُنا صورةً للأشياء؛ فنرى ريحها في الأماكن والوجوه التي نصادفها أو نتعثّر بها والمزارات، الشوارع وواجهات المحال، الأرصفة والطرق الطويلة.. ولا يمر ذلك عبثًا؛ بل تصنعُ تلك الريح أسئلةً تجعل من العقلِ مسعورًا ومُهستِرًا.. يحاول صياغةَ وصولٍ وفهم لهذه الريح بلا طائل أو جدوى، فيتقهقر العقل ويظل حائرًا منسيًّا عالقًا في أول السؤال، وابتداء الصرخة التي تبحث عن تأويلٍ لكلِّ هذه الهاجسية المُتناثرة في براح الكون. إنَّ المشهد يشبه تركَ نفسك حُرّةً تحت أفواهِ قطيع من الكلاب المُفترِسة الجائعة.. التي لا تترك الفريسة دون أن تدعها تختفي في البطون. تستبقُ ونهجك ونفسك وشرائعك على إيجادٍ إجابة؛ الكارثة أنك لا تجد، والهاجس ككرة ثلج يكبر ويتضخم ليصير ثقيلًا على كتفيّك وروحك، وعلى استنباتات البحث عما ترى في خلاياك التأملية المحشوّة سلفًا بما هو خارق وضال ومتجاوز لمعنى وحِيَل حراستِك لعقلك.. إنّك تصنعُ دون قصدٍ خريطةً أخرى؛ ليزدادَ عددُ الخرائط في دمك الحمئ من تتالي الاحتراقات. تثور فلا ترى ما يشبه الثورة، تجدُ الكلام سبيلًا دنيئا وغير ذي كُفءٍ لشرح ما يلاحقك من وساوس تسكنُ عقلك، فينمو الشك كطفلٍ كما ينمو الله معك توازيًا مع سِنِيِّ حاجتِك لغيبه الحاضر دون قصد، ينمو الشك فتزداد حَمَأة الدم وحِمية الهاجس.