الكاتب: هاشم شلولة
هناك مناطق في الحياة؛ تحاول فيها أن تحزن.. لتثبِت بشريتك بهذا الحزن، هذا الحزن الذي يأتي بعد عاصفةٍ، وهي ليست بعاصفة كما تخبرُك العيون، بل لوحة غلّفها عماؤك لترفعَ بصيرتُك التي تظلُّ باستمرارٍ حاملةً لصفة الوليدةِ عنها القماشَ الذي يغطيها، فتراها أنت.. لتكتشف بأنَّ ذلك ليس بحزنٍ بل ارتقاب تأخَّر في التجسيد والمُماثلة لسابقاتٍ نكرة.. إنهم يشبهون هذا الذي يحيا والحياة كثيرة لسياقٍ كهذا في مكب نفاياتٍ؛ عاش فيه مَن قبلهم وربما من بعدهم من حزب الشيطان، وبعاطفتك الأولى التي لا تكبر وخامتِك ذات اللون الواحد؛ توقفت عندهم بحنوٍّ لتمسَح بيديك الناصعتين الرائحةَ باحثًا عن الإنسان الوهم دون أن تنتبه بأنَّ الرائحةَ تحتاج استحمامًا وتطهير _أغوتك نعومة يديك_ فتبدأ بالمسح في الهواء لا الأجساد، وبالتراكم سيزول قليلٌ من غبار، فتكتشف بأنَّ القمامة ليست بالواجهة بل في الصدور ومقدار فتح الذراعين، إنهم القمامة وهي هم.. فتغلق أنفك بأصبعيّك بقوةٍ، وتهرب كالمصروع أو كموسى النبيِّ مترقِّبًا خائفًا مرتجِفًا... نحو مصيرك، وربما تاريخك البدويّ الذي لم تلوثه عوادم المدن وقاذوراتها.. تاركًا خلفك وجهك النبويّ رسمةً لك في ذاكرتهم الخبيثةِ كلما أرادا توزيع من عرفوا في خانات، وغبار الطريق سدًّا بين نصاعتك ورائحة الجثث التي تخمرّت القمامةُ فيها.. لتظلَّ بِكرًا جموح، تطأ الحياة بعرجتِك وعاطفتِك كما أنت أولًا وفي الختام.. تصهرُ الشعرَ، وتنعمُ بلونِ رملِ الصحراء أيها الشاعر الذي يضحك الآن كما ضحك قَبلًا وسيفعل ذلك بَعدًا.. لا، والله لستُ حزينًا لكنّي أحبُّ لغةَ الريحِ وأنام في سربي غفيرًا لقّنته الحياةُ حراسةَ الأزمان وخوف أبدٍ مستطير..