الكاتب: هاشم شلولة
زائدٌ عن حاجة الأشياء، أسير في الأرض بلا رؤى، يلتفُّ حول عنقي حبلٌ من النقائض والنقائص. أرّقني الكلام، وتمادى الصمت في وحشته. حوَّلتني امرأةٌ ملتبسة في وقتٍ قريبٍ إلى رغيفٍ يلتهمه الشكّ، وماء تشربه خبايا الريح كأنَّ جنوب البلاد خصمي الأبديّ. مرتابٌ كأنّي المستقبل حين يختار مَن يؤجِّلهم، كأنّي رهاب القيمة والمعقول وصوت الذئاب... أعودُ إلى أجلي في كلِّ مرّةٍ خاويًا من الأشياء جميعًا عدا قصيدةٍ يمتطيها الغبار واغترابٍ زمكانيٍّ مُتراخٍ.
قبل أيّامٍ صادفتني بائعةُ سمك، كنتُ غبيًّا وفتَّشتُ في سلّتها لا عن سمك، إنّما عن وجهٍ لا يؤاخذ إيجادي، ويمنحه معناه فربما عرفتُني ذات مرّة لكنَّ ثرثرة البائعات ومُقايضاتِهِنَّ التي لا تنضَب عار وتُفسد الصفقة. كان الوقت فجرًا رماديًّا يُغنّي، وترقص على ألحانه راقصاتٌ بلغن الرُّشدَ، وكان الرَّقص فتنة فابتعدتُ برهبانيّةٍ وبقيت مُطلًّا كآلهة الفراغ على تأجيلي، وجوعي وانهماك الرَّفض بجنائز الإيجاب.
سؤالٌ ما في السوق، قد يمنحُ طريق العودة للبيت معناه وخصوصًا إذا ارتبط بامرأة يُضاجعها البحرُ خلاسة، ربما وهي تضحك، أو تصنع قميصًا لغيبِ رجلٍ لا زال مُراهقًا يُمسِكُ بأطراف الأثواب، ويضيع بصره في الشفاه الغامقة، التي حطَّ فوقها غرابٌ قبل بضعِ سنين، ومنذ فعلة الغراب ترى جميع الذين سيحطّون بخِفَّةٍ فوقها غرابيب حتى بائعي الورد والدموع والحبّ.
كان الباب سيُفتَح كما فتحَتْ ابتسامةٌ شائكة زَرَّ فُستان الغواية _كان الباب لا الأيدي_ فالباب كسول كالفاتحين، تذكَّر يدًا ما قبل عامين حين وافقَ عاهرة، ومنحها إرادة فتحه بنفسه، تركته في مكان بارد، ووضعت فوق وجهه لثامًا واختفَتْ، يومها عرف الباب مُستدرِكًا عُمق مُصابِنا بنساءنا، ومدى فشلهن في تكوين أنفسهن، واستصاغة الرُّفات التي لا زالت على قيد الإستعارة. الباب وحَنِيْنٌ صاخب وقدرة فاشلة على المعرفة... سُخرياتٌ ترفضُ الرِّداءات وتسير كما هي، وخلال السير تتساقط الوجوه، وحاجتي للتصريح، وانصهاري في السر، ورغبة الدَّفِن... خَرَسٌ مُفاجِئ، واستحضارٌ فنيّ لزوجة سُقراط البلهاء، وهي تُجادله وقتما يعود حافي القدمين إلى البيت، كان استحضارًا مُماثلًا لخطوط وجهي وهي فريسة لنظرات بائعة السَّمَك فارتجَفْتُ حتى سُكِبَت القهوة على صورةٍ ورقيّة لإحدى اللواتي فتنتهُنَّ العواصم، ونسينَ مراتعهُنَّ، ولم يتوقفنَ عن السُّكرِ ومآسِ النوم... ليست فضيحة أن أرمي بنفسي بين يديّ خائلة، لا يُلاحِقها صبيةُ المدينة ولا تُرجَم بالحجارة إنّما نقيصة بحقّ السر، ومشهد حزين جدًّا ومثير للشفقة، لا لشيء إنّما لأنَّ شاعرًا صرخ في البدء، وذوَّب حقيقة الشِّعر، وجعل منه منسكًا لكَبَد الوجود، وأنساق للخطأ الإنساني. كنتُ سأرسم، وكان قلبي فارغًا كقلب أُمِّ موسى النبيّ العبري الذي صار خُرافةً في منهج نورس الزمن لكنّه العبور، العبور الصارخ إلى حدِّ الثبات الذي يُفرِزُ مسرحيّة مونودراميّة لشاعرةٍ قديمة، وهي تلوك كَبِدَ شابٍّ من إحدى مُدُن اليونان الحديثة، فَزَعٌ حاضرٌ أرادني عدمًا، وحوَّلني إلى ضحيّة للأمل بالإنقضاض على شفاهٍ رسمتُ اسمي عليهن بكل جهريته، كنتُ بارعًا في الرِّسم لكني فاشلًا في العُلُوِّ. لن أعود إلى آخر فتنتي، إلى آخر الزمن والخارطة...
ربما كان كُلّ شيء تافهًا ولا يستحق حتى مراجعته غيبًا في حُجرات البيت، أو أن يتم استغلال وقت المُراجعة بتدخين سيجارة بانجو، ومحاولة الارتداد إلى زاوية كان أحدنا فيها فارغًا حتى من حضوره أو أقدامه كيّ لا يقف أو يرى الطيور وهي تُحلّق وكلما اقتربت من الشاطئ قَلّت عافيتها وسقطَت في الشباك المُعلَّقة على الشاطئ مُتعَبة. ربما كان الحنين مُصابًا في كتفه الغنائي، ولم يستطع تحريك ذراعه. ربما حالة النزوع إلى إفراغ الأحشاء كانت حالة فاقدة لذاتها لأنها امتلأت باللاسبب. كُلّ الاحتمالات عادَتْ مُنهَكة من مزاد التأكيد الأثري على استقامة الألم. الإنزياح ناحية كل ما هو عدا الخرافة شيء فظيع. كُلّ ما يحدث فظيع ومُخيف وبلا معالم، والفأس الذي في يد الحطّاب سقط رأسه قبل الوصول إلى الشجرة.