التخطي إلى المحتوى الرئيسي

نبأ الحب الأخير

 الكاتب: هاشم شلولة


فوق أعلى مكان في مدينتي البائسة، كنتُ أزفّ النبأ الأخير بدموعي خلف قَنِّ الدجاج، وأعرج إلى السرّ. 


كنتُ مرتعشًا، وأخاف تلصص المسافة عليّ، كما كانت تفعل دائمًا مع كل الذين خسروا وخابوا.. 


كان لديَّ نصيب في شطيرة الوداع لكنَّ أحدًا استغنى عن حصته، وأخذتها كاملةً. كنتُ جائعًا فلم أطعِم أحدًا من المُودِّعين والمُودَّعين.. 


كان وجهي رسالة نبيٍّ سار خائفًا على مدخلِ النهر فارًّا من الأبدِ والعيون الذابلة ومقاعد المنسيين الخشبية، التي لها أقدام وتركض كالسعار في جسد الغرباء.. 


هل صرت وحدك؟ هل صرتك يا ابن الخراب؟. 


تركوك مركونًا بين مقاهي مدينتك الخَرِبة، تشتعل تارّة بنار خُطى الذين مرّوا سريعًا، وتارة تسقط في نفسك التعبى.


أنسيت يا ابن الجرح جرحك أم تماهيت مع أزل السقوط الساقط؟ 


هكذا؛ ستقف الآن، تهزُّ كتفيّك وتفتح يديك نصف دائرة، وتتساقط من جبينك علامة الاستفهام تلو الأخرى..! 


أيمكن أن يموت البحر؟ 

أيمكن أن يرانا الحب من بعيد ويومئ رأسه ويمرّ هكذا دون غبار؟. 


سينقضي بلل الجفاف، وتُهزَم نبوءة التوراتيين الصغار الشاعرية. سنُنسى ونُنسى كالجُزاف الذي اصطنعه متسول مع الطريق الفارغ في إحدى المنافي. 


ستُراق دماء الإنصهار الذاوي كما التاريخ والتأول والقناديل...


سنُنسى ونُعلَّق على أعمدة مدينة الوحدة، ستجتثنا الأسماء والصفات، ونُترَك كالذئاب الجريحة، ويجتمع حول الجرح ذباب "سارتر" وعقدة "جوبيتر" المريض، وتمرّ من أمامنا العابرات.. تنظر بشفقةٍ ثم تمرّ، تمرّ لتحرقنا ذواتنا ومتروك خُطاهُنَّ الذي يحتُّ عن أطرافه حصى البكائيات التي خلّفها الأولاد الأشقياء. 


كُلُّ شيء سيذهب بعيدًا.. بعيدًا، خلف البحر بقُبَّعةِ النهاية.


ستُغادر مفارق الطرقات ذاكراتنا ليُعانقنا الريح كما تفعل الصور ونبكي ونبكي.. نظل نبكي كطفلٍ ضاعت ألعابة في فناء المنزل القديم.



المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...