الكاتب: هاشم شلولة
ألقى الشاعر البحريني الذي أحب قاسم حداد قصيدة بعنوان "الوقت" في أمسية لمؤسسة الجابر، وعندما وصل إلى مقطع: "كم سوف يكفي من الدم
كي نحتفي بالضغينة،
وهي تزول من النص"
كرره ثلاث مرات، وبكى دون توقفٍ لمدة تشارف على الدقيقة، استمر في البكاء لما بعد المقطع، وهنا، بالضبط هنا.. استشعرت مهمة الشاعر الأخلاقية الحقيقة، وآمنت بأنَّ الشاعر ليس في حالة الانفصال الإشكالية عن نصه، التي أحدثها "رولان بارت" لاعتبارات الحداثة النقدية للنص الشعري، وما بعدها.. رغم أنَّ قاسم شاعر ما بعد حداثي بالضرورة، لكنّه أكد حالة الاستثناء التي تستوفي مفهوم الشعر مكتملًا. إنَّ بكاء قاسم حدّاد هو تجسيد لمشهد خرق الأعراف المونودرامية المُحَدِّدة للنص الشعري بارتداداته الانفعالية على الشاعر، وذلك التجسيد هو النزعة الرافضة للتجريد، وما بعد الشاعر كحالم، عدا عن التأكيد على أنَّ الشاعر هو فكرة ثبات البدايات، وليس خطًّا لغويًا ومشاعريًّا متعجرّجًا.. ينسجم مع مدارسية النص، إنَّ قاسم حدّاد ألغى التشيُّؤ النعتي لعلاقة الشاعر بنصّه..
الشعراء في حالة من الاستقامة الطويلة وجدانيًّا، هذه الحالة هي تراكم الشاعر في لغتة دون الخروج عنها أو عليها.. لإصابتها بسكين الفارق بين الشاعر ونصه.. الشاعر يشتري القصدَ بثمن الحياة، ليكبر ويرفض ويعتنق هذا الرفض؛ فيعلو ويسمو.. ويصير بالقصد لغةً للفضاء المشاعري الرحب والعميق والشاهق.