الكاتب: هاشم شلولة
هذا التشتُّت الغامض والممتد؛ لا يمكن توضيحه أو وقف زحفة.. لأنَّ الغايات لم تعُد مفاتيحًا، والأشياءَ تخاطرَتْ مع الرماد. لم نعُد نبحثُ عن الخرائط كما كُنا أول مرّة بعد أن رمتنا القواربُ على شاطئِ هذه البلاد المنسيّة، كما أننا فهمنا مراميَ الآثار المطبوعةِ على الرمال منذ أول حزنٍ وأغنيةٍ وجنازة...
ظلّت الأشباحُ في العقول، ويوم أرادت التحرُّر؛ باغثَتْها الأسئلةُ الملتبسةُ حول المصائر، وأماكن كنا نرتادَها حين نجوع أو نفقد سيدةً من اللواتي كُن يسقين يأسنا أملًا.. المصائرُ دُفِنَت في بيوت الأجداد، والسيدات لم يعُدن عناوينًا برؤوس الصفحات المثالية الصبيانية.. اختفَتْ الآحاد، وأصبحت الأعراسُ مواويلًا للوداع/ حتى الوداعات ارتبكَتْ، والمواويل صارت تراتيل جنائزية لا تفهم التوقُّف..
رفعت الأضغاثُ رايتَها كأنَّ خيالًا أليفًا يلاحقها، والبوارج انتبهَتْ لسباقِ الغرباء على الوصول.. مرَّ أخي حاملًا على كتفيّه تاريخَ الصمتِ القتيل كما مرّ قبله أخوةٌ كُثْرٌ طردَهم أهلوهم من نهارٍ مفتوح الجدل على مرأى النوافذ والأبواب.. فاستوفى الجمعُ حِصَصَه من المجاهيل المتردِّدة البائرة والساكتة.. بعد أن صارَ نعتُ الشائكِ في شوارعنا حُرًّا، وبعد أن خُذِلَتْ رغباتُ الكلام.
بعد هذا؛ كسّرَ الأخوةُ مراياهم، وانتبهت الأجراس..
التشتت/ الأشباحُ والأضغاثُ.. لم تنجُ من رحى الغيبِ كما لم ينجُ ولدٌ من هواجس زمنٍ أول؛ مفادُها ذبحٌ بلا دمٍ أو ماء أو رسائل كتبها الحذرُ المرتبِك وهائل السرعة حين تكون الأمُ في يَقْظَةٍ تعمَه أو تركض.. هكذا تُلقي الأساطيرُ التحيّةَ على خرسٍ عتيق؛ تُماثلُه ثرثراتُ الطرقِ الخاليةِ في أذنِ الأيتام، من عرجوا لليلٍ فيه معراجٌ معطوبٌ انهار عند بلوغه ميقات المكان..
قال سوقُ الصورِ في هذا التكسُّرِ: أنا من سيبكي في المساء، ويرتدي جلباب الجُرحِ الباسمِ ظهرًا..
هذه الأضواء آثمةٌ كإثمِ المراحل، والأوراق التي كُتِبَ عليها هذا الإثم خامرَها شعاعٌ علّمته الاستفاضةُ أنَّ السواحلَ إكسيرُ الماءِ.
مَن يحنو على الماء مثل يد البحّار الحزين؟
تُرِكَ العائمُ عائمًا، والنواقيس أصابها عطلٌ كأنّها نهايةٌ لصرخة. الغربةٌ ارتعدَتْ من بنتيّن أبوهما نبيٌّ؛ صادفتا شاعرًا حالمًا حملَ عنهن الجِرار المملوءةِ بالدموع، واستخلصَ الذمّة.. فسأل نفسه: أأصيرُ نبيًّا أم أظل كما أنا أرتقُ الأثواب لغُربةِ القصيدة واغترابِ القصد؟
ظلَّتْ الأقمصةُ مفتوحةً على مصراعيها، والجثةُ مقتولة مذ ولدَتْ، واحتفل الرَّهطُ بميلادِ جُثة.. أكملَ النبويُّ اختباءَ القطط، والأزمنةُ كالأشجارِ التي لا تحدُّ جدرانٌ نموَّها، تُطلُّ على مارّة كرامٍ بررة.
بلدٌ هذا أيّها الرعاةُ أم احتمال؟
فالسيفُ لغة خبَّأها ويلُ الوليّ حين يستفزُّه العُريّ، ويصيرُ جماعةً بلا وجهٍ أو ملحمة.. كان غصنًا ذا علاقةٍ متينة بالأسباب، فصار خريفًا باكيًا، يفعلُ التساقُطَ طوعًا، وتفعله الحقيقةُ قسرًا..
لم يمُت، لكنّه ظلَّ كالرمالِ حين لا يُخطِها الهواءُ.. ظلّ مفعولًا به ولم يمت..