التخطي إلى المحتوى الرئيسي

سكوت أكتر

 الكاتب: هاشم شلولة


تظلُّ محافِظًا على فكرة أنّه لم يعُد هناك كلامٌ يُقال بعد الذي فات على ما تحمل من مشاعر.. إلى أن تحاصرَك تلك اليد الخفيّة التي تُمسك بعنقك حين يكتحل الوقت، فيغمرك الليل كما يفعل مع كل ما حولك. لوهلة تشعر أنك تريد قول كلمتيّن فقط لتلك اليد "أرجوكِ.. دعيني" لكنَّ الحقيقة أنَّ عقلك يخترق هذه الإرادة؛ لينفجر صارخًا بكلامٍ كثير، وقد بِتُّ أدرِك أنَّ شعور الاختناق هذا هو الموضع الوحيد للكلام. 


تتحوّل لمُهستِر باحثًا عن قلم وورقة، من أجل أن تقول لبياضها جزءً مما يُثقِل خلايا عقلك، الذي أتعبته الأحداث كما الوقت والصور والسِّيَر والسرديات والقصص.. فيصير المشهد مثلُ كرةِ ثلجٍ تتدحرج فتمر فوق ماء، وبعدها تكمل الطريق فتلمس ثلجًا جديدًا وتكبر.. تكبر وتصغر الكرة مثل الذي ظل من كلامٍ مفجِعٍ للأسماع والأبصار.. لأنَّ اليد التي تمسك هذا العنق الممزق؛ تضغط عليك بحيث تؤلم بقيّة الأعضاء في جسدك مثل المعدة وما يتلوها من الأسفل، عظامك وكل ذرة في هذا الجسد الذي رفع الراية البيضاء منذ أول كلمةٍ بلهاء خرجت من فم النواطير لأُذنِك.. 


أتكتب الآن لتضيف لسجلّك صراخًا آخر؟ سؤالٌ يُسكِتُك، وإجابةٌ تطلُّ من بعيدٍ وتسخر؛ لأنّك شاورتَ الله ذات مرة في قضية الأخلاق التي يجب أن تكون، إذا تخلّت عنك السكاكين الرفيقةُ أو الأخوة الذين رسمتهم بأقلامٍ من حبر على ملابسك الباهتة القديمة، وأهلكها الاستعمال.. هل يمكن أن يتدخل مُطلَقُ ما قبل المشوار المتردد نحو عنقك، ويقول كلمتَه الفصل؟ أعرف جيدًا أن من يسائل المُطلق يخون سواءَه، ويستدرك نتيجةً ربما شكّلها الممكنُ ذات مغرب؛ لتكون بارجةً تحمل الخيوط الكثيرة، التي تشوّش الحاضر، وتمضي إلى حيث يتحوّل المُضيّ لخزانةٍ تختبئُ فيها النجاةُ بكامل عافيتها مُتخليةً عن أناقةٍ يبحثُ الحرّاسُ القدامى عنها.. 


هكذا تكون الصحراء يقِظَةً في دماء من اعتبروا التجرُّدَ لقمةً سائغةً في فم النوايا الصبيانية؛ الفاردة لوهمِها مثلما يُفرَدُ الزمنُ على مائدة الحساب مقابل الخُطى والأخطاء والخطايا الخجِلة.. المُنطلِقة من بيوت مسكينة.. ومثل الصحراء الحدائقُ؛ اعتزلَت كراسيّها الخشبية التي من الممكن أن تستعذبَها الأظهرُ، التي تحمل كلَّ هذا الكلام الميت بفعل عوامل زمنية ومكانية مقيتة.. حتى الأشخاص الذين يحملون معك عصاك؛ نفّرتهم بيداءُ صفاتهم المتَّسِعة من أخلاقيات التشارُك ومتعةٍ قررها شيطانٌ عذبٌ ذات مساء.. 


إنَّ مثل هذا الوِزر المشهديّ غير المقدّس أبدًا، والذي يبدو مقدّسًا في استبصارٍ ماورائيٍّ موازٍ.. لهو شهادة على حالةٍ من حالات الهزيمة الكبرى لكل المرادفات والمعاني ومحاولات استجماع قوة الشعر في وجه المأساة الطويلة والاحترافية. نعم.. الفن ترك مهمّته للمجسمات المُبتَكرة والمواثيق العابرة ضرورةً وضِرار.. لأنَّ كلَّ الفضاءات التي من الممكن أن تستهوي الشفاه؛ تعبَّأت بالجُثَث المتفحِّمة جرّاء احتراق الملكوت الغامض الذي طالها بناره، كما طال النهارات وصِيَغ اللذة، والرغبة بالاكتراث.. 


الكلام غيبٌ واضحٌ وضوح نفاذِه في سلّة المألوف، مشوّهٌ كأسئلةٍ تمرُّ خفيفةً، وتدَع التاريخَ على النواصي مُحمّلًا بتحيّات الغرباء، الذين أسكتتهم وجوهٌ لمحوها على الطرقات العمومية، وأبواب البيوت البدوية، وفي كلّ مكانٍ يجمعُ الرجال المحترمين؛ الذين يرتدون السراويل الطويلة التي تُراقِصُ غُبار أسفلتات أهلكها تقادُم الحِقَب.. 


سيقفُ الرجل الذي صلّت على كل زاويةٍ من جسده التعاسةُ وقوفَ الرافضِ القديم، وكأنّه يرفض.. ليُعلِنَ أنَّ الشمسَ حين تغرُب؛ فإنها لا تلجأ للبحرِ، بل يستقبلها السكوت ليضيء فيصيرُ كلامًا بطعمِ الاختناق، أو يحترق فيصيرُ رمادُه شعرًا، وكفى بالشعر من سرابٍ تحبُّه اليدُ التي تحاصِرُ العنقَ فترتخي.. ثم يرجعُ الكلامُ إلى موته سليمًا معافى. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...