التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الجسد الذات والموضوع

 الكاتب: هاشم شلولة


الجسد الموضوع يختلف كليا عن الجسد الذات.. وذلك الفخ الذي تقع فيه غالبية الناس، وأخص بذلك الذكور. قبل إقدامهم على ممارسة الجنس تنبني التصورات على قوالب مُتخيّلة شوهِدَت إما على الشاشات أو حُلِمَ بها أو في الساحات العامة. في هذه الأماكن الآنفة تُعرِضُ المرأةُ ما تريد عرضَه من معالمها وملامحها وجسدها.. وهذا هو التعريف البسيط للجسد الموضوع. أما الجسد الذات فهو ما يقع في خيال الذكر من جسدٍ لا ينفصل عن بقية المعايير المُحدِّدة للوجود الأنثوي على حين العلاقة الجنسية بالرجل، وذلك الأقرب للسواء العقلي والنفسي. هنا نستطيع استخلاص فكرة أنَّ الجنس ليس هو بشكله البيولوجي المعتاد، وليس لذة التحام الجسديّن فحسب. لذة الجنس تكمن في التخيُّل المُحايِد للمرأة أولًا؛ كونها مرأة إذا سقط جزء من حساباتك الخيالية لجسدها؛ فإنَّ جزءًا آخر سوى جسدها يُعيدها إلى كمالها في خيالِك، لأنَّ أي امرأة مهما بلغت حدّة جمال جسدها؛ لا بد من نغزةٍ تُعيقُ اكتماله، المرأة المكتملة جسديًّا غير موجودة، أو موجودة في الجنة فقط. يجب علينا إدراك أنَّ الجنس عملية محض بسيطة ومعقدة في آن. بسيطة من حيث هي مطلب بيولوجي محفوظ الشكل والمضمون، ومعقدة من حيث حاجتها لقوانين تحكمها وتنظّمها لإثبات بشريتك على الأقل كذكر وقبل ذلك إنسان سليم، من هذه القوانين التي يضعها الشخص نفسه لنفسِه كواجب: أنَّ الجنس ليس حالة إشباع فقط، بل حالة عطش مستمرة، تحتاج إلى التراتبية من خيال منفرد، توطِئة، وتصالُح نفسي ومن ثم انغماس يفصلُك بكُلِّك جسدًا وروحًا عن الحياة وقلقها.. لأنَّ الجنسَ حالةُ تصوفٍ عظمى؛ تتفوّق لذتها على لذة التصوف الدراماتيكي بشكله؛ لمن يُدرِك هذه القيمة، ولا يدركها غيرُ من يقنَع أنَّ الجنس عاطفةٌ بشكلها التعبيري الأقصى. 


كُلُّنا كائنات مفطورة على الجنس ومُحتاجة له بشدّةٍ وضرورة، لكن المفارقة أنَّ الجنسَ رغم كونه حاجة كالطعام والشراب، هو أيضًا الخط الأوضح الذي يفصل بين إنسانية الإنسان وحيوانيته. الجنس إذا تمكّن من أحدٍ أو انتصر عليه جعل منه مسخًا، وألغى فكرتَه عن نفسِه. لذا؛ علينا ترتيب مخيالاتنا وتنظيفها وعدم الانقياد الشهواني الخالص والمؤدِّي إلى عماءٍ محصّلته الارتطام بحائط دستور الحياة الخفي فتُجرَح عقولُنا، وما أدراكم ما جرح العقول.. فهذَّب خيالَك لتنجو! 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...