التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هنا يا أمي

 الكاتب: هاشم شلولة


هنا يا أمي، ينامُ صغيرك مُلتحفًا ظِلّه، ويركض كالمصروع في شوارع الوهم الطويلة، للوصول إلى معنى يلبسُ رداءَ المعنى _هو في الأصل لامعنى_ بكيتُ كثيرًا يوم عرفت أنَّ الأمهات تموت، فماذا تفعل القوارب دون أذرعٍ توجه المجاديف؟. 


أمي التي ما طرقَتْ باب حزنٍ ما بالضرورة لتُصلي لي بالنجاة إلّا وشرَّعَ بابه لها كما يُشرَّع باب الزمن لهزائمنا التي تكبر كلما كبرت المسافة بيننا وبين الأمهات، ما تركَتْ يومًا إلّا وكانت فيه صورة لإنكساراتي وسيرة للضعف يرويها الأبد لعالمي الصغير، والمُهتَرّ سَلَفًا لأجل الأمومة التي نتطهر بها وننتصر بها على كل هذا الفزع الذي يصبُّهُ الوجود في رؤوسنا. 


كثيرٌ صمت أمي، وكل ما تتكلمه هو امتداد لعوالم الصمت. أورثتني طُرُقًا سهلة للتعامل مع النسيان؛ نسيان الكلام والأماكن والأشخاص... 

أورثتني بأن أكون من أهل الله الطيبين، لأنها في الأصل قصيدة ألقاها الله في صحراء كبيرة، محفوفة بالحساسية، والأحبال السرّية، والوداعات المُثقلة بالدموع.


كانت تُمارس الفرح خلسة حتى لا تلمحها محطات التحوّل الزمني التي يقف عندها المُشاة المُتعبون، والأبناء الذين فقدوا الثقة بالتاريخ. صعدَتْ أمي نحوي تاركةً نفسها مُعلَّقَة على منصة التأجيل الأبدية. 


كيف حضنك؟. كيف صارت ملامح الزمن الأول والمطالع؟. أعيديني صغيرًا، مُمسِكًا بطرفِ ثوبكِ، باكيًا، وأريد أن تأخذيني معكِ في زيارتكِ للمقبرة، لو كنتِ فعلتِ ذلك؛ كُنت ستحميني من حميمية علاقتي بالموتى، وشواهد القبور، فصمت الموتى نسيان لكلام الأحياء، ومطرقة للكفر بخارطتهم، وصوابية خُطاهم. 


ليتكِ لم تتركيني تحت شجرة السرو أبكي! كُنتُ عرفتُ سِرَّ النهر، وصورة الملحمة من أعلى مكان في ذاتي. 


كان على الأمهات أن لا تكبر، ليظلَّ الأنجال في ذبولهم الفاتن، يقرعون طبول العاطفة المرجوة من زوايا العالم المُتهالك. 


حين كانت تصنع القهوة، كانت تصنع معها ملامح الرحيل، والمؤقتية، لهذا كانت دائمًا ما تحرص على إضافة مسحوق يحمل طعم الأزل على القهوة، لتُخبر اللغة كم من النبوة تحتشد فيما بين الأم ووليدها الذي سبقته كارثته، وتاه به ركب الطريق.


حين ترتب الخزانة؛ كانت لمساتها لأقمصتي حذرة ومحسوبة، لأنّها تعرف مقدار النعومة الذي قد تمنحه لقادمٍ نشتهي فيه لمثل هذا اللمسات الحنونة، التي ما إنّ وضعت تسربت كالألم إلى بواطننا فخلقت حتمية لعدم التنافر بين رؤياي وأمٍّ قصيدة. 


كانت دائمًا تبكي حتى على الدوريّ المُعَلِّقِ في قفصٍ على جدار غرفتنا القديمة لجُرحٍ في رأسه بعد عِراكٍ مع أسوار القفص، كنا صغارًا ونرى في بكائها استفاضة في العاطفة؛ لكنا كبرنا، وأدركنا بأنها تُبكي هذا؛ لأجل انسجامٍ غير مشروط بين القفص وبين الرحم، غير مُقيَّد وأقرب للتماهي كما يحدث بين الموت وقدرتنا على احتماله. 


بعد كل مرة تنتهي فيها أمي من تجهيز الحقيقة كنا نغادر البيت، وتُبقي لنا حصتنا منها تحت المجلى كي نعرف مقدار ما تبتعثه الأمومة من أسباب قوية للوجود على هيئة مسؤوليات أخلاقية، أو واجبات تفرضها البكائيات على المُسافرين إلى الغيم، إلى الضياع الكبير. 


لستُ بحاجة شيء آخر أيتها الأم العزيرة والبارّة بصغارها سوى قُبلةٍ تؤجِّل موعد نموي، تذرني صغيرًا كما كنتُ بلا أجنحة، فحاجتي للدفء تجاوزت ملل التحليق.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...