التخطي إلى المحتوى الرئيسي

استشهاد الحسين

 الكاتب: هاشم شلولة


يوم كربلاء، وبعد أن صلى الحسين عليه السلام صلاة الخوف ظهرًا، وبعد مقتل أخيه العباس (قمر بني هاشم) خلال سقايته لآل البيت.. رجع الحسين عليه السلام إلى المخيم منكسرًا حزينًا، فنادى وهو أمام الآلاف من جيش عمر بن سعد : "أما من مغيث يغيثنا؟ أما من طالب حق ينصرنا؟" ثم توجه إلى خيام أهل بيته ليودعهم، فبكين النسوة، وبكى الحسين معهن وقلن: "واضيعتنا بعدك!!". 

بعد أن فقد جميع آل البيت مستشهدين أصبح وحيدًا أمام جيش عمر. وعظهم للمرة الأخيرة، وبدأ يطلب من يبارزه. كل من ظهر له للمبارزة وقع صريعًا يحمل الذل والعار، ولما شاهد عمر بن سعد ذلك قال لقومه: "الويل لكم أتدرون من تبارزون! هذا ابن الأنزع البطين، هذا ابن قتال العرب فاحملوا عليه من كل جانب." كانت الجروح في مقدمة بدنه، ولم يصب بجرح خلفه؛ لأنه كرّار غير فرّار. استراح ساعة، وقد ضعف عن القتال، فبينما هو واقف.. أتاه حجر فوقع في جبهته الشريفة، فأخذ الثوب ليمسح الدم عن وجهه، فأتاه سهم محدد مسموم له ثلاث شعب فوقع السهم في قلبه. ولما أثخن بالجراح طعنه صالح بن وهب المزني على خاصرته طعنة فسقط عن فرسه إلى الأرض، ثم قام.. ضربه بعد ذلك زرعة بن شريك على كتفه اليسرى، فردها الحسين فصرعه، ثم طعنه سنان النخعي، وبعدها رماه بسهم في نحره، فسقط وجلس قاعدا، فنزع سنان السهم من نحره، وقرن كفيه جميعا، وكلما امتلأتا من دمائه، خضب بها رأسه ولحيته، وهو يقول: "هكذا ألقى الله مخضّبا بدمي مغصوبا على حقي" . نزل إليه بعدها سنان فضربه بالسيف في حلقه الشريف، وهو يقول: "والله إني لأحتز رأسك، وأعلم أنّك ابن خير الناس أبًا وأمًّا، ثمّ احتزّ رأسه الشريف. 

لمّا قتل.. ارتفعت في السماء غبرة شديدة سوداء مظلمة، فيها ريح حمراء، لا ترى فيها عين ولا أثر، حتّى ظنَّ القوم أنَّ العذاب قد جاءهم، فلبثوا كذلك ساعة ثمَّ انجلت عنهم. 


بهذا.. بل بقليل منه نجد الإجابة على سؤال البكاء الطويل على الحسين، نجد أنَّ الرمز ليس مشاعًا، والملحمة ليست تدوينًا لخيالٍ جامح قدرما هي حالة من حالات التجلّي التي تخص تاريخ رجالٍ نحتوا مجدًا عريقًا؛ يؤسس لحالة حداد على ضلال الدنيا وخبثها وملذاتها الزائلة.. وما قد تعرفه الفتنة عن حجمها حين يكون فعل الخلق خاص بسيرةٍ لا تتكرر لرجلٍ ووليٍّ للدم، ذلك الدم الذي يطهر، ويشكل ويبني ترادف الإيمان العميق في النفس والذاكرة الروحية.. والذي تشرعنه أدق وأصدق حالة مشاعرية، وهي البكاء.. لهذا؛ نبكي عليك ونُبكيك، ووالله ما تركناك.. ما تركناك مرّة، وبقينا بظلّك ننادي: "العطش.. العطش" 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...