الكاتب: هاشم شلولة
لا شيء حقيقيّ، كما أنّه لا شيء يخضع لمناصفة في الحكم من حيث الإيلام أو وسطية.. الأشياء بكاملها واكتمالها مؤلمة، ومستوى قيادتها واقتيادها لنا فاحش في بلاد ميتة كالتي نعيش فيها بمحض موتنا والعكس.. إنّك إذ تختار أن تحيا هنا؛ فإنّ سِربًا دميما من الأسئلة يُثقِل كاهِلَك، وكأنَّ كونًا بمجمل حواسه تعربش كتفيّك.. ستصير أنت المُفرَد مجموعة من الوجوه الخائفة الحانقة المرتعدة والمرتدعة؛ تتلفتُ يسرى ويمنى كأنَّ وحوشًا تُطارِدك. أنت تختار أن تحيا والوحوش تُطاردك.. تتكرر العملية، فيصير ذلك فصلًا ثابتًا في حياتك المقهورة والعبثية سلفًا التي تخلو من أي معنى.. إنَّ ثمةَ إحكامٍ يتحوّطك من كافّة الجهات، يعاني هذا الإحكام من حساسية الاختيار المُفرِطة، كُلما اخترت تُحاصَر.. لم تعُد النفس هي التحفُظ الأوحد في زمنٍ كهذا لسببية الحيلولة بينَك والحياة كشخص يعيش في بقعة جغرافية كالإسطَبْل المتسخ الذي نعيش فيه، لا فعل لها إلّا الدفن؛ الدفن للمعنى وإنسانه وما قد يشعِّ من الإنسان من مسارات تخصُّ خطاه نحو مجدٍ أو عيّشٍ أو حتى أدنى محاولة لبترِ هذا الكِفاف الذي بترَ في وقتٍ آنفٍ مدَّ أي بصرٍ أو بصيرة..
إنَّ بلادَنا قتلتنا، وما بنَت لنا قبرًا أو جسرًا نحو فاعلية هذا القتل أو أبديةٍ تحسمه.. هي قتلتنا وكفي، ولم تقرأ علينا التعاويذ أو تراتيل من شأنها أن تجعل جموحَ الروايةِ القاتِل هذا يحنو علينا.. بعد قتلِنا؛ ذرَتنا نسيرُ بهذا القتل في شوارعها موتى بلا دمٍ أو مصحفٍ أو غار.. نسير عِراةً ومفضوحين؛ يستُرُنا جنوحٌ للصمتِ الأخرس كأنَّنا وصلنا لغامضٍ معرفيٍّ ما. نسيرُ بقَتلَتِنا خُرسًا.