الكاتب: هاشم شلولة
في كثير من السجالات الرمادية حول قيمة الذات، كذات فاعلة في الحياة والواقع الإنساني، عند نقطة احتدام واضحة؛ كنتُ أختصر شديدَ الكلام، وعلو الملام، حاسمًا وجهَ الحقيقة بالحقيقة نفسها، وهو أنَّ الأشياء جميعها لا يمكن أن تكون أشياء فاعلة دون السخرية منها، والسخرية تعني موت العلاقة بالأشياء، ليُعرَض عليَّ من قبل أقران السجال ذاته سؤالًا كأنهم يصدمونني، وهو: هل تسخر من نفسك؟ فأجيب بحسمٍ وثقة: نعم، أنا أسخر من نفسي قبل أن أسخر من أي ما هو سواها، وبالمناسبة نفسي ليست سوى شيء كبقية الأشياء، والحقيقة أن علاقتي بنفسي ولدت ميتة، ولم تمُت تراكمًا كما هو حاصل. أسخر من نفسي جدًا، ولا أهينها بذلك بل أكويها بفكرة اكتمال معرفتي بها كيًّا يُراد به بناء، رغم أنَّ البناء لا يشكِّل أولوية في قاموس ارتدادات السخرية، لأنَّ الارتداد نفسه يثير سخريتي. ما قيمة أن تكون إنسانًا بشكل الإنسان المعهود بنائيًا؟. تُحوَّل بمجرد كينونتك إلى مسخٍ تُديرُك الشكليات الفكرية والمجتمعية وحتى النفستربوية. أين الإنسان فيك إذن!. كيف يمكن أن تتدخَّل في شؤونك وأنت تُسحَب من نحرِك صوب قدرك الاجتماعي والذاتي وما من الممكن أن تكونه أو يكونك، لم تُفلِح أثينا بكاملها ورواقيتها وأفلاطونيتها وآرسطيتها أن تجد تخريجة للإرادة الحرة، وكانت مجمل التدخلات تقتصر على الأماني والتنظير فقط، حتى شوبنهاور ومن بعده نيتشة جاءا عنيفين بإرادتيهما (إرادة القوة وإرادة الحرية) ثائريّن على ما مضى من منهجيات تحلل فعالية الذات وتدخُّلها في مساراتها، لكنّهما ماتا مريضين عقليًّا، وكل من ينحدِر نحو نقيض السخرية وعدم أخذ الذات على محمل الجد ستكون نهايته مأساوية، لأنَّ الإنسان يأتي مرصودًا من قبل القوانين، تُرسَم كخريطة له ويسير وفقها كما تقتضي المواثيق، ليُكمِل هذه اللعنة المُسماة حياة مُسيَّرًا، مسحوبًا من ياقة قميصة بيدِ العمر الخشنة، مارًّا بالأحداث وتباين وتيرتها مُنتهيًا بأقصى شبهٍ للحقيقة، هنا لا يجب أن نسخر، فقط أن نترك أنفسنا ترى نفسها بعد هذا الشبه. وبس!