التخطي إلى المحتوى الرئيسي

البلاد الحزينة تغني

 الكاتب: هاشم شلولة


البلاد وشتاءها وشتاتها وبقايا الأبناء الذين تركوها وحملوا الروايةَ في الصدور... تجلسُ هذه الأسماء حول مائدةٍ عليها طعام فاسد ومجموعة أحرف؛ تركها عمّال الدليڤري في مظاريف ورقية على أبواب بيوت فقراء المدينة ونواطير المقابر وحُرّاس الممتلكات العامة.. لم يلتقط هذه المظاريف أحد؛ فتناثرَتْ الأبجدية المُبللة بدموع الكَتَبة الصغار وبصمات سُعاة البريد وأسرار المسافة بين البصيرة والبصيرة وبين السر والسر.. 


البلاد صارت ملعونة في عرف علاقة الفصول بأبناء هذه البلاد؛ لأنَّ وقتًا ترجَّل وهامةً حوَّطَتها الرمالُ اليابسة.. البلاد صارت مباركة فاللذين صلّوا سويًّا فوق مساحاتها الشاسعة وعلى مرأى بحرها صاروا أنبياءً ومراسيلَ جُدُدًا لأزمنةٍ أجَّلتها الرغباتُ وحاجةُ من يصلي لمغفرةٍ تغسله كما تغسلُ يدُ الحقيقةِ عتبات الوهم المؤبَّد؛ الذي انتحر في مَدِّ بصر شعراء صغار؛ أنستهُم القصائدُ أنَّ الرجالَ هم من يقومون بدفع الفواتير الكبيرة لحالات الضلال المُستشرية في الرؤى ومحاولات التعدد والتجسيد والانبهار والقنوط المديد...


البلادُ كانت حرفةَ من لا حرفة له إذا توازى ذلك بالتاريخ، تاريخُ كل فرد وكل رسالة وكل مقعد منسي في واحدةٍ من زوايا مقهى عتيق؛ في مدينة لا يقطُنها إلّا قَتَلةٌ أو موتى أو أجسادٌ ملتفّة بالتبريرات والدفاعات وما هو شفّاف يتعارك مع رمادٍ حتميّ الغَلَبة.. هنا تجيبُ البلاد ببطلان الطفو، ويعلو صوت الغرق والسقوط الحر للنعوت..  تتسامى أحلامُ فتياتٍ مُختنقات بالفكاك عن كونها أحلام تفتقد وجهًا.. تضيعُ الوجوه كما القوارب المتروكةِ في الموانئ؛ لعطلٍ أصاب الماء أو تأمُّلٍ باغثَ بصر الصيّاد؛ أو محاولة ذراعه فهم سرِّ حركة المجاديف. 


نحن المتأملون كسائلٍ صِرف متأكدون أنَّ الجهرَ باللغةِ باطلٌ على حين استفهام الخيول عمّا يؤرّق صوتَها الذي يُنادي باستشاطةٍ على بلادٍ تملَّصت من تهمةِ اختلاسها للمحطات، متأكدّون من وضوح الحواف وحِدّتِها.. التأمُّل عادةُ أولادٍ قست عليهم بلادُ الافتراس الهزيل، ورجَّح صالحون كُثْرٌ أن هواءَ بلادٍ كهذه محمَّلٌ بيُتمِ اللغات وصرير أبوابها؛ حين تتحوّلُ الأقلام لمفاتيح تفتحُ أبوابًا لم تُفتَح منذ قرون.. 


عرفنا البلاد جيدًا كما عرفتها أطنانُ البياض الغامق المُعتزِل للاستعارات، وكما لم يعرفها فضولنا كأبناءٍ لها؛ أنهكتهم ذاكرةُ الأحداث وصاروا خوفًا أبديًّا في جسد وجسدًا في خوف.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...