الكاتب: هاشم شلولة
مغرب هذا اليوم، طلبتُ تاكسي لنقلي من أقصى غرب خانيونس حيث أسكن إلى شرقها؛ لمشوارٍ طارئ.. خلال الطريق وعلى مدار ثلث ساعة لم أرَ إلا سيارة إسعاف مسرعة وثلاث سيارات أنا متأكد أنَّ من بها مضطر مثلي، ولا أسمع إلّا صوت الطائرات البغيض منذ بداية الطريق مرورا بمركز المدينة انتهاءً بشرقها.. هذه الشوارع التي تعجُّ بالحياة والحركة والازدحام في عادتها؛ كانت ميتة مطفأة.. كانت السيارة التي تقلني تمشي بسرعة ١٣٠ خوفًا من صاروخٍ طائش.. وما إن وصلت المكان حتى شعرت بهزة اعتقدت بأنَّ زلزالًا حدث، لكنّي اكتشفت بعد القليل من الدقائق والفوضى والصرخات.. أنَّ صاروخًا سقط في إحدى مناطق شرق خانيونس المجاورة للمكان الذي أتواجد به.. لون السماء الأزرق الهادئ تغيّر كما لون قلبي.. ظلّت أقدامي ثابتةً إلى حدّ التجمد، شعرتُ بأنَّ كل شيء قابل للعبث، وأنا في وسط هذا التشتت المسكون بصيحات التكبير وفوضى الناس؛ تذكرتُ عبارة محمود درويش، وهو يقول: "جرح طفيف في ذراع الحاضر العبثي". ليس لأنني أعرف ما لا يعرفه الآخرون؛ بل لأنني أبغض بحسرة فكرة أن أنتهي رقمًا بين الأرقام أنا الذي كبر الموت إلى جانبه منذ الصغر شأني شأن كل من ولد عن قصد وربما عن غير قصد.. في أرضٍ كهذه تعانق الموت عناقًا أبديًّا خالدًا..
إنَّ الحرب هي انعكاس لمهادنة العقل البشري مع اللاجدوى الطويلة.. تجعلنا بيأسنا نكبر بعد سؤال طويل يقول: إلى نذهب في ظل هذا وما بعده وما قبله دون استدراك؟ أين جهة سنخص أو تخصنا؟. هذا الموت العملاق يستأنس بالرائحة الطويلة لرغباتنا بالوجود الفعلي المعبأ براحةٍ وسلام تسكن العقول وتهجر الأرض.. مع العذر منك يا جون بيير كلارك وأن تقول: "حسبكم الآن أن تعرفوا أن كل يوم نعيشه يعلمنا لماذا بكينا ساعة الميلاد".