التخطي إلى المحتوى الرئيسي

تأمل في سورة غافر

 الكاتب: هاشم شلولة


"وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ". سورة غافر. (الآية ٢٨) 


جاء في التفسير الميسر أنَّ قول الرجل "أتقتلون؟" الذي نعته أهل العلم بأنه من قوم فرعون، وكان قد آمن بموسى، وسرَّ إيمانه في النفس خوفًا؛ هو قول استنكاري.. والاستنكار ليس من باب التخصيص بموسى، بل من باب من التبيُّن والثبوت.. والدليل أنّه بعد الاستفهام استخدم جلا جلاله واو التشارك ربطًا بالبينات التي مصدرها الله كحكمٍ وفيصل.. والنتيجة إذا كانت احتمال كذب موسى (وهو المُستبعَد) فكذبه عليه؛ وحده من يحمل الوزر، والصدق سبب لنتيجة الوعد الإلهي الخاص باحتمال صدق موسى عليه السلام (وهو الثابت). التخصيص الثاني مرتبط بنية موسى عليه السلام إذا ما تحققت نتيجة التخصيص الأول المنوط بالبيان والإثبات. 


هذه الآية من أحب وأقرب الآيات لقلبي، وهي وحدها مع عشر آيات قبل، وعشرٍ بعد أحفظهم من سورة غافر منذ صغري. تختزل هذه الآية النبوءة والرسالة التي يجمعُ المرسلون عليها رُسُلًا وأنبياء بالتضمين والعموم. فكل كذب مرسل هو بشريّ محض؛ أمّا الصدق فهو إلهي مكتمل وتلك سنة كونية خالصة.. وما يأتي به الأنبياء هو من عند الله؛ لأنَّ لغة الإثبات تغربل ما هو رباني، وما هو بشري.. لأنَّ طقسَ اللهِ طقسٌ شارح ومبيّن.. والدليل أنَّه تعالى قال: "إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ" وجاء ذلك بعد تفصيل مصير دعوة النبي موسى، وكانت الخاتمة إتمامًا أو إجابةً على ما بعد احتمالات الكذب والصدق. 


تلك ليست رواية شُرطيّة، ولا تشبه الدنيوي التمثيلي، فما هو دنيوي هو تمثيلي بتجسيد إلهي، يُربِك معايير من يفتري على رسل الله، ويجعل منهم ضِعافًا أمام بيان الحجة وحجة البيان.. إنَّ قوله تعالى: "أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ" في جوهره دعوةٌ لورود الله سبحانه في لاوعي القائل المتكلم والمقيل له المُخاطَب والسامع جيلًا فجيلا.. بهذا الشكل، تنتقل الكيفية التي تبث صورة الله الحصرية غيبًا في ذهن البشريّ، والذي عليه قول الله فعلًا وممارسةً وسلوكًا وخلوًّا وبيانًا.. 


الله قولٌ واعٍ وفعلٌ غيرُ واعٍ؛ تلك حكاية مسلك المؤمن بالله والعارف له. 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...