التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الإيمان يصنع الوجود

 الكاتب: هاشم شلولة


نبدأ دائمًا من حيث الانتهاء من آخر ذرة في العدم. أو بمعنى أدق، الوصول إلى أقصى شعور بالاستنفاذ منه.. بعد رحلةٍ طويلةٍ ناحية الدوائر والأشكال البيضاوية. نبدأ لأننا باختصار إذا ما قمنا بتعريف أنفسنا بلغة الوصول؛ فإننا في كل خطوة ناحية انتزاع الحق بالوجود الوجداني فحسب؛ نهدم عدمًا جديدًا، ونستولد فكرة عنوانها الخطوة.. حجمنا الاستشعاري المتباين لا يحتمل وجودًا مستقيمًا، وكذلك عدمًا مستقيمًا، ومن ينغمس في واحدة أبدًا؛ فهو ضمن مقاييس مختلفة مريض ويحتاج العلاج.. لهذا؛ فإنَّ كل الأشياء التي فينا تقود عوالمنا نحو عدمٍ يلي وجود، أو وجود يلي عدم. الحالتان موجودتان كقانون يستبق _فرضًا وشرعيةً_ كلَّ ما سواه مما يطلق على الحالتين.. بحيث لا تتفوق واحدة على الأخرى، حتى لو اتضحت تداعيات أي حالة فيهما على مدار الوقت.. بالضبط هذا ما حدثتنا به نفس الجد العظيم والمتواضع پوناڤنتوا؛ رغم ألم كبير أحاط به، وحال بينه وبين الشعور بواحدةٍ من الحالتين، والتنعم بهذا الشعور.. لكنّ الحالتين بقيتا موجودتيّن بيد ما هو ظاهر ضمن سياق الحالة الوجودية الزمنية الخاصة به.. وكان الجمال الكبير في كل شيء؛ حتى في طريقة البكاء هو الانتفاضة على النية الحالمة والمسكينة في العيش مُعدَمًا أو مُلامِسًا لوجوده. الإيمان قبل الجمال وبعده؛ حالة مهمة لتوضيح أن الإنسان محكومٌ بقوانين موجودة إثباتا معنويا خالصا، لكنها ليست مرئية، هذه القوانين تمنح محدودية الحركة الفعلية والوجدانية سببا لفهم الوجود، وتجرّها من عدمٍ كان سيلي حالة التجاوز الأخلاقي لتراث وتاريخ الشخصية الإنسانية.. التي في حال قفزت ستفسد وتصبح نكرة وأشبه بحثة متعفنة لكلبٍ مدفون في الصحراء. الإيمان ينظف علامات الاستفهام التي تنتهي حيث تبدأ، ويطهر الروحَ منها.. من الصعب جدًّا أن يستوعب إنسان سطحي، لا يرى أبعد من الظاهرة مثل هذه المعادلة؛ لأنها يقينًا لا تأتي إلّا بعد تجربة مناهجية ملحمية، وزمن الملاحم الفكرية الحقيقية انتهى إلّا من بعض رجالٍ يشبهونني وأشبههم مع عدم تزكية أحدٍ على الله. 

سبحانك؛ أحكمَت الموصول من الإيمان، وسبحانك سطّرت رحماتك إحكامًا في وجدانٍ بشريٍّ قاصر، وما أعظم شرف من يحملك بصدره حاميًا وجده ووجوده ونفسه من شياطين الضلالة والغواية ومغريات الوسواس الخناس. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...