التخطي إلى المحتوى الرئيسي

من تأملات القصص

 الكاتب: هاشم شلولة


"فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ". 

_القرآن الكريم، سورة القصص، الآية 25. 


سورة القصص في القرآن فصَّلَت قصة حياة نبي الله موسى، والحقيقة أنها السورة الأكثر تأثيرًا فيَّ بعد سورة الحِجر.. بدا القرآن فيها واصفًا وشارحًا وشاعرًا ومُطبطبًا.. مشهديًّا شاملًا، ولا يدَع مكامِن التصور تحيد عن سياق وحدة النص الفلسفية إذا ما قورن النص بالتتبع الوجداني لمحتواه.. أيّ أن موسى المذكور في السورة ليس موسى مجموعة الأحداث فحسب، بل موسى الملتصق بالمشاعر الخائف المترقِّب المُستنصَر به المُستصرَخ عليه الوارد الواجد الساقي... (أيّ كُليّة موسى ككيان ومدى التحام هذه الكليّة مع الأحداث) كل هذه معايير رصدية قويمة في عُرف اللغة.. تأخذ بيد أي قصة إلى التنزيه والمآل الإلهي في استصدارها إذا عُدنا لمُجمل المفهوم الخاص بالإله حسب ما وضعه الفيلسوف الموحِّد الأول "پوناڤنتوا".

لم تفُت فائتة دَسّ جوهر القصة المُلخِّص لها وسط مشهد الشرح للأحداث كما يبدو في الآية التي بين أيدينا.. إذ أنَّ الجوهر سبقه تفصيلٌ وصفيّ، وهو "فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء" تلا هذا التفصيل المزدحم باللغة المُحكَمة، والذي ينتمي إلى ظاهرية "غاستون باشلار" خلاصةٌ مُختزَلة، وهي رؤية السورة العامة (أي القصص) المشهد الذي انبنت عليه السورة بمُجمَل أحداثها.. من هنا نستطيع الاستدراك اللغوي لفكرة المصدر الباني بإحكام لهذه الحبكة القصصية المُفلسفة رؤيويًّا المُتفرِّع أحداثيًا.. هذه التوليفة المشحونة بنت رهانًا كبيرًا على الإقحام البنائي والفلسفي لعامة أحداث السورة إذا ما تأملناها مليًّا.. 

بعد ذلك نترك الخيار لمدى سعة العقل واحتماله لحمولة الصراع بين المنطق وعدمه إذا ما عدنا للتأمل كنقطة انطلاق نحو أصولية السؤال عن القصص ولغتها وتوزيع أحداثها... السؤال الذي يُعيد نفسه قاعدةً وارتهان بمسوّغ أننا فكرنا وتصوّرنا وأكملنا النقاط سواء أكان ذلك قرآنًا أو لغةً أو فنًّا..


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...