التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ستكبر يوما

 الكاتب: هاشم شلولة


ستكبُر يومًا تاركًا نفسك صغيرًا، تبكي على ثُقبٍ أصاب الذاكرة. ستكبُر دون عمرٍ يرافقك، ماضيًا إلى الموت، تلك الدمية التي اشتهيتها في صغرك دون علم. 

لو كُنّا نعلم أو نعقل ما كُنّا مستمرين، ما كنا لنبقَ على قيد الدُّخان. 


كنت تعرف أنَّ إخوتك، أصدقاءك وكُلّ مَن جاورتهم فوق بارجة الحياة... هم محض استدراجٍ لغضاضتك حتى تُهدَم، ولصبرك حتى ينفذ، ولأملك حتى يملّ وجوده، وينحني إجلالًا لنقيضه، ناقصًا مُستَنفَذًا بعد إراقة دماءه بواسطة الأحداث الجلل التي أحدثتها قزامة الحضور المقصودة وقتما انصهرت الشموع، وتقلّصَ منسوب الإيمان، وذابَتْ في الجنازات صفاتنا والأسماء... 


خيلُك النازفة سقطَت، وصهلتك الأخيرة كانت في الأمس القريب، حين عاد الجنود دون رسائل العاشقات، وحين تنبَّأ عقلُ الشاعر بالغَدِ المُثقَل بالعماء والسُّكر الذي طال مداه. سياطُك ما عادت تجلد أظهر المأساة لتُطهرها، وتجعل منها سردًا ملهمًا كما يقسو الأبو على ابنه ليجعل منه ابنا صالحًا. 


سياطك ظلّت في يديك ولأنك معدوم العافية، وأقرب ما لديك فخذك، فلم تضرب سواه بهدوئك المغشوش فيحمرّ فخذك، لتقدم مشهدًا مكتملًا عن انتقاء جلاد الحياة لأقرب من لديه حتى يجلده، ويجعل منه هيكلًا مضرجًا بالدم وآثار الجَلد. 


كنت تسير في المدن، وتخترق رُهابها من الغرباء، وحينما تصل شارعًا ضيّقًا، تردد: "شكرًا لله على نعمة الشوارع الضيقة". تلك الشوارع التي تستر عورة وجوهنا حين تفتك بنا الشوارع العامة بصور التوحش الحاصل فيها، بدءً بسيّرِ من هم على فراغٍ مطلَقٍ فيها، وانتهاءً بمن يصرخ جوعًا دون أبهٍ أو مبالاة أو حتى انتباه الكون الخفيّ لذلك. 


هل سينفعك عمرك حين يمضي؟. هل سيُنسيك ما هو مذكور في الكُتُبِ السماوية من كَبَدٍ وخسارة وانتظار خائب لتحقيق نبوءات طال انتظارها؟. 

كُلّ ما هنا، وجهٌ غير خَجِلٍ بعد تضافُر جهود الإنطفاء، وجهٌ متعَب، لا تتوقف البدايات عن شدّه، وتحطيم هالاته الفاشلة والمُضحِكة. 


عُد إلى أدراجك واختبِئ، داعِب أوراقك الأولى كأنّها وليد لتصنعَ من قديمك علاجًا لجديدٍ خبيث رَقَصَ فوق قبرك مع هزائمك على طبول رهانات نجاتك. 

عُد إلى برِّك آمنًا غير مُطمَئنٍّ، ولا تلتفِتْ ناحية المنارة، لأنّك لن تراها، لن ترى سوى ماء، كُل ما ستراه ماء فقط.

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...