الكاتب: هاشم شلولة
قال لي أبي مرّةً: يوم ولدت؛ ذهبتُ إلى شاطئ بحر رفح وقت الغروب بالقُرب من الحدود مع مصر، وأوفيتُ بنذرٍ كنت قد نذرته على نفسي، حررتُ طائرَ الحسون الذي كنتُ أقتنيه وأحبّه، رأيته وهو يسافرُ إلى مصر، ولم أربي بعدها شيئًا سواك..
كان أبي وصار كذلك، وما بينهما أبي.. لم يكُن في وارد طفلٍ مسكون بالهواجس والأسئلة والثرثرات التي لا تتوقف.. أن يصنَع علاقةً صامتةً مع أحد، لكنّ ذلك حدث ومع أبي ذلك المُرهَف المؤدَّب والهادِئ.. كانت علاقتي به خرساء وكثيفة، لا كلام فيها، الحوار يحدُث بين العيون وبإشاراتٍ تولد ميتةً..
كان يحتاج لغة ليتكلّم وهو الماهر في اللغة، ويحتاجُ كلامًا ليبني لغة وهو سيدُ الكلام الميت.. ما بين حاجته وقضاءها صمتٌ مريح وسهل وعذب، فيه الكثير مما يُحكى. لأبي دكانٌ في سوق المدينةِ القديم، وإن أجمعَ أهلُ سوقٍ دون استثناء أي أحدٍ منهم على صلاحِ رجلٍ فهو صالحٌ بالضرورة، فمن وقى اتقى.. أليست "أَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللَّهِ أَسْوَاقُهَا"؟. كان أبي ولا يزال لغزًا يدثِّرُ أي وضوحٍ يخاطرُ عقلي على حينهِ؛ لأنَّ سؤالًا لم يدعني وشأني مرّة في العمرِ: أين أبي؟ وهو الجالسُ أمامي، المُطلُّ عليَّ حتى في أعمق أعماق سريرتي..
لم أشاركُ أبي كأسَ شايٍ مرّةً في حياتي، لأنَّ نهارَه ممتلِئٌ بنا، وهو الذي لم نرَه إلّا غروبًا.. سنحَتْ فُرَصٌ كثيرةٌ أن نتشارك الشاي لكنَّ شايَ البيتِ سكّرُه كثير ككثرةِ غربة أبي عن نفسه وعنّا، يشربُ أبي الشاي في دكانه دون سكر، ولأبي معادلةٌ ربما لم يلتفت لها قط.. الدكانُ منفى أليف، والبيت وطن منفيّ. كل معادلات أبي هكذا، ليست عتيقة بقدرِ ما تنذِرُ برجُلٍ ذات علاقةٍ فنيةٍ عن غير قصدٍ بالزمكان، بالشعور، بأماكن يصلها بصره، بالحب، بالتواريخ... رجلٌ أولٌ في كلِّ شي وأخير في ذات اللحظة دون أن يدري أو يقصد، وليس ذلك لأنّه غيرُ وسطيٍّ بل لقبوله الرافض بمشهديةٍ وتجسيد، ولكل قبول آية.. أليفٌ رؤوف حليم، وشرسٌ لجوج متسرِّع.. كان يحلُم، ولم أسهو لحظةً عن مراقبة أحلامه، لهذا؛ بالضرورة أنا عليمٌ ببواطنه، ومُدركٌ لخرائطها.. لم تكُن أحلامًا مزعجة أو كوابيس، كانَت رؤىً ووجوهًا ترسمُها قريحته على رمالٍ؛ بنى منها بيتًا.. "وكم تخون الرمال!"
لديه طُرُقُ في دقِّ نفسِه بمسامير في آخرٍ قد يكون ابنًا أو أخًا أو مارٍّا غريبًا؛ استسقاه فسقاه ومرَّ.. علاقته بالأشياء حذِرة تلامسية مختصرة، إذا تطلّبَت مراوغةً أو جدال اعتزلها، لم يكُن الاعتزال يعني موتَ علاقته بالشيء أو احتكاكه به! حتى لو اقتصرَتْ العلاقة بسؤالٍ خجلٍ من بعيد عنه.. بل الحفاظ على علاقته البِكرِ بأي شيء، التي هي معرفة أولى وخام ومهذّبة.. الأرض مثلًا؛ كان اتصالُه بالأرض مؤثرًا جدًّا بالنسبةِ لي، لم يحُب شيئًا مثلما أحبَّها ولم يملكها مرّة.. لكنّه كان يتدخَّل في شؤونها بالسؤال والأمنية والنظر من بعيد بإعجاب على أي أرضٍ يُصادِفُها خلال دروبه المتعددة والحزينة والمحفوظة.. مثلُ الأرضِ وحدته، كان أمينًا عليها، يسلُّها سَلًّا من زِحامٍ باطِلٍ. كذلك التأمُّل، في أيِّ مكانٍ يرفضُ الإنس تجده مؤنسًا مُسبِّحًا مستعيذًا وفي إنصاتٍ جليل..
رقيق، بكّاء، طفلٌ وفي اكتهال حقيقي ودائم... لا يفرّق بين النزهةِ والمشي، ولا بين النومِ والارتخاء. في كل مرّة تنظر في وجهه تشعرُ أنّه مغسولٌ للتو، شعرُه مصفَّفٌ دائمًا، وله جغرافيا متباصرة متنادرة من حيث توزيع الشيب والشعر الأسود.. لم يضع العطر في حياته، ولكن له رائحة مميزة وثابتة لا تتغيّر.. يضحكُ بصوتٍ خفيض يكاد يكون غير مسموع، ويبكي دون صوت. لا يخاطِر، لا يغامِر، لا يحتمل، لا يكتمل، لا يختمر.. دائمًا يمشي "جنب الحيط" وقد بني معه علاقة ودودة والتصاقية للدرجة التي من الممكن أن يمرَّ عنك ولا يراك ولا يفصلُك عنه سوى نصف متر؛ لأنّه حين يمشي فإنَّ بصرَه يكون مكان قدمه.
اتفقنا ضمنًا ودون تصريح في كل منعطفٍ في الحياة دائمًا وأبدًا؛ أنَّ الطريقَ موحشةٌ ومُحمّلة بالوحدة، لا تُفسِحُ للكلامِ المجال.. لهذا سكتنا كثيرًا، وصار كلٌّ منا واحدًا وهو اثنان. أبي وأنا، وأنا وأبي. لم يكُن هذا الأب جبلًا ولا تلًّا ولا سهلًا.. إنّه أبٌ فحسب، وأبٌ كما لا تقتضي الأبوةُ ذلك، ولكن كما تقتضي محاسيم ومفارِق الارتباط العاطفي وقوانينه الصارمة الشديدة والمعقدة.. لا يعرفني وفي عمقِ لامعرفته لي؛ يعرفني جيدًا كأني لا أعرف نفسي. وقد كان وصار يا أبي، حين يتأخّرُ عن البيتِ أيامًا أو ساعات فإنَّ روحًا وجسدًا آخريّن لا أعرفهما يصيران لي؛ ليحترفا سؤالًا لا تنتهي نقاطه فيه وعنه وغيابه الحاضر وحضوره الغائب، والمفارقة أنَّ وجوده لا يكفي ليكون سببًا للكلام، وربما هو بالفعل ليس سببًا لذلك، بل لغرضٍ أشدُّ ورعًا في الاستفهام عن القيامة وعن جبالٍ تحطّم العادة فتلتقي في السرِّ أو في العلن.. ما يُدرَك من هذا الالتقاء الارتطام.. الارتطام وفقط.. وكم صدّقتُ هذا الصوت، صدّقته وحده نيابةً عن أيّ وكل تصديقٍ قد أصدّقه سواه، وما أنا بالفاعل ذلك مرّة.
سأظلُّ بِكرًا مُحِبًّا بطريقتي لك لا بطريقتك، وهذا عهدُ صورتِنا التي نحتتها الحياة لنا بعد نزالاتٍ لا تُعَد، وجولات لا تنفذ ولن.. سنظلُّ الاثنان ندفعُ الصخرةَ، كلٌّ من زاويته حيث لا يرى أحدٌ الآخرَ رؤيا العين بل رؤيا فؤاد هائم، وبنفسِ الطريقة تصيرُ أنت أبًا أُجِلُّه، وأنا ابن لا ترتخي عظامُ عاطفته إلّا في اتّساع يديك.
أحبُّك حبًّا جمّا، وفي الحب الأول والأشد، أحبِّك حقيقةً ولو كان الوهم لبيبُ الأشياء، أحبُّك إلى أن تصيرَ الحياةُ بهذا الحبِّ لونًا واحدًا غامقًا، وأحبّك يا أبي وأحبك وأحبك..