الكاتب: هاشم شلولة
أيها الناس، أيتها الفائجة المُستضعفة، يا أبناء المدينة السافلة عن غير قصد، والتي قتلها الأحبار والرُّهبان وبنو عبد الوهاب، اللائذون في ملحمة الخطيئة الأولى بتجلٍّ يبغضه المُتجلّون، ويمقته الزاهدون والفاضلون والصالحون كما الفاسقون والضالون والمنحرفون. يا أساقِط الأقوام وأسافلهم وأدناهم وأحطِّهم... إنَّ دنياكم للدَّناءة مرتع، وللسِعاية مرفَأ، ولجموح المجون كبحٌ خاسر، مُهانٌ ومكسور ذليل. رجالُكم سلائعٌ لغضاضة التضرُّع الذي يفتعله هاتِكو الليل وسُكاراه ومشرّدوه، للخيبة والصمت المهزوم أمام الحق والحقيقة والارتعاش من الظلال الفاترة وغير المتَّضِحة. يا لذُلِّكم المُحكَم والرَّفيض!.
أبناءٌ للقهر والفضيحة والخنوع، يحكم مدينتكم ثُلّةُ لصوصٍ رقَطاء وجابلة، نهبَتْ اللهَ من صوامعكم الآمنة، وعرّت نرجسًا يسكنكم، قالت ما ليس فيكم، وصمتُّم كصمتِ ابن "كافيسوس" الأجلّ والأعظم من صمتكم الخانع والباهت والمُطأطِئ رأسه للنزوات العابرة وأفخاذ الغازيات اللواتي وهبن عظيمَهن لمعايش الغُرباء ومَن ساءلوهُنَّ عن حاجة. يا لعُمقِ قربانهن ووساختكم الفادحة فداحة ذُلِّكُم وهشاشة داخلكم السقيم كالأرض والكون والحياة!.
في وقت كهذا مُهين مُهان، ومرتاع من هول الحيرة والتقهقر والذهول؛ تضعُ كلُّ شائلةٍ ما بأحشائها، تبرخُ الأباعِرُ على الجمار كما يقبض عليه الغريب، يتشأَّمُ اليمين، وتُعَظَّم الذنوب بعد طولِ شرعنةٍ وترسيم وتأكيد ولهوٍ عابثٍ أفسدَ خط الرَّكبِ المستقيم، تشتدُّ خشونة الألطاف، وتُرقَّق الملامس المُغلَّظة، تنام الأجساد ولا تنام، الخوف يجعل من الأفخاذ غشاءً لطبلة المصير، تشيبُ الرؤوس الشابة، وتسودّ الخفايا كما تبيضّ السطوح، تُخَضّ رجولةُ الرجال كما حياء النساء وتيه الفتيان.
تغطُّ بنهمٍ فاحشٍ الأفضالُ على فراش الأخطاء، تتلاشى ثم تذوب، تعوجُّ الأفنان، ولا تستقيم الأظهر، تفوز الخسارة، ويرتاب اليقين، يُنسى كلُّ ذي ذِكرٍ، وتُرَدَّدُ الصوامِت فوق تاريخ الحاضر المنسيِّ في عتمِ القادم، تُؤرَّق السرائر، وتُفضَح الأعذار ولا تُقدَّم، يعلو صوت الروبيضة، وتُخَيَّب إماءات الوقور بعد مئات المرات من صرخاته بخنق التشوّه والعته المُرفَّع والمُزكّى بمجونٍ يتجدد بتجدد المعتوهين والمفصومين والمُصابين ببوهيمية منحرفة، يقتلها التشظّي المفاهيمي والتشيُّؤ، يُطأطِئُ الشِّبلُ رأسه لقَنٍّ اختارته الذئاب الشَّجاء، المرصوصة في المَقْدَمِ.
تُطيحُ الذباباتُ التي لا يتوقف طنينها وحوامها حول آذان الرافضين لجورِ السلطان والمُتسلطين والمُرتزقة غير المُستحين ومراواغاتها للهواء بالفضائل _التي لا يغطِّيها غِطاء، ولا يلوثها ألوث أو ضال_ تُهاجِمُ مآتِمها المُقامة في أفنية الفن وأقبية الحقيقة وزقاق القربان المُتأخِّر. تُثار ثائرة الاعوجاج؛ فيَتَسَمَّر في مقعده لينقَضَّ على الاستقامة فلا يُخيَّب أو يُغلَب أو يحاول مُدَّعٍ من مُدَّعي الصلاح إيقافه، يخرجُ علينا حافُّو الشارب والأخلاق والخِلاق، مُعفو اللُّحى واللَّوْث ليستبيحوا بأصواتهم المزعجة والضاجَّة والخادشة للمسمَع سكوننا وسكوتنا وخفوتنا. تُراقُ الدِّماء، وتُرقّى الطواغي دون منجى أو ملجأ أو جُحرِ جُرثٍ يحتمي به ذوي المظالم والمظلمات والحقوق، لتُشرعَن الصوافي وتُفتعَل ويحتلّها الأوغاد كاحتلال الشهوات المارقة والنوكاء لأنفسهم القذرة والمُدانة بأبشعِ الجرائم الأخلاقية، والمُتسخة بالهُذاء غير المُجدي أو المُثمِر إلّا للنزوة والنشوة الذاتية التي يركضون ورائها، ويلهثون كلهاث الكلاب الجائعة.
استفيقوا أو لا تستفيقوا. لا تكونوا موائر أو موالج لاستراحات الطُّغاة والطاغين في الفُحش، كونوا ظهيرة حمئة تحرق شيب رؤوسهم الأرقش، وإن لم تفعلوا ذلك فلا تتوقفوا عن لطم وجوهكم وعفرها في تراب البيادي عنوة وقصد، سيكون ذلك أجدى وأثمر لعريِّكم الطاعن في البذاءة.
أدرك أنَّ صراخي هذاةجمرة ألقاها عازبٌ واهن وهائد مرّتد في إناء ماءٍ بارد في ليلٍ بولنديٍّ من الليالي التي طورد فيها يهود وارسو، وأدركُ أن هذا الاحتشاد المكلوم والمؤلم ما هو سوى رذاد تعارك مع هواء قبوٍ امتلأ بنفثات دخانِ مُضاعيه، فهزمه الهواء وضاع؛ ضاع كأنّه حق؛ فأواه.. أوّاه أيتها المدينة، أنا أحد الأبناء الذين سقطوا إلى الأبد، فلتسمعي احتقاني المتعب والجريح والغائل من داخله!. أوّاه من كل الأخطاء التي تفتك في الصائب الصامت لعطبٍ في خاصرة الكلام!. أوّاه من كل السعارات الباهتة، والانفجارات الفنية التي يُجهضها تعسنا الباكي والخائب والراقد في نقائصه!. أوّاه من كل هذا!. أوّاه من كل ما هو أكثر من ذلك بكثير!. فليهدأ فينا هذا التعب الكبير أو نهدأ نحن للأبد، فلم نعُد نقوى على الاستمرار في حفلة الأكاذيب الطويلة والمستمرة هذه!. تعبنا.