الكاتب: هاشم شلولة
قبل ثلاثة أعوام، وقد كان يومًا باردًا وأشبه بهذا اليوم، ذلك ما دعاني للتذكُّر، كان العصر قد بدأ مجيئه، وبدأت معه حاجتي وأدهم العقاد للبحثِ عن طريقةٍ نطردُ فيها شيطان الصحو اللعين، فبدأنا بالمشي الطويل في شوارع مدينة خانيونس باحثين عمّا يُغذّي هذه الحاجة، وفي أوجِّ عجزنا؛ كان أدهم يرسم الخطط ليصل إلى توفير ما نُطعّم به عقولنا من مُسكرات لصناعة الشعر والسُّكر معًا، التفتتُ لأدهم الذي عبّر لي عن برودة جسده من طقسٍ كهذا، وقلتُ له: أحبُّ فكرة أن تتدفَّأ الأطراف، وستتدفَّأ بقية الجسد تلقائيا.
أدهم في لحظات الحاجة للسكر يكون كل شيء تقريبًا بالنسبة له مثار سخرية، وغير قابل للاهتمام، ضحك بسخرية صامتة ولم يرد، حيث قال لي: "لما ندخن حنبقى نحكي". نسي هو، وقد حصلنا على مونة تلك العصرية، ذهبنا لغرفته المبنية من سعف النخيل فوق منزلهم، وروينا رؤوسنا بأدخنةٍ تدلُّ علينا، وفي غمرة السُّكر، سألته ما إذا كان قد تذكّر حادثة دفء الأطراف، سكتَ وقال لي: "دخّن ي خال." ضحكتُ وقتها بصوتٍ عالٍ، ونظرتُ إلى أطرافي، يومها أيقنتُ أن البرد والدفء سيان طالما أن الحاجة مكشوفة، ولا غطاء لها، والدليل؛ أننا لم نشعر بدفءٍ أو بردٍ وقتها. شعرنا بالامتلاء فقط.
سافرَ أدهم بعدها بوقت، ودخنتُ وحدي كثيرًا، كانت مشهدية واحدة تدقُّ في رأسي كدقّات عقارب الساعة، وهي أنَّ الامتلاء أهم من نوع الشعور أو جوهره، مضى كثير من الوقت على تغلغل هذه المشهدية في لغتي، حتى صرتُ أبحث عن الامتلاء في تذكُّر أدهم، في الوقوف الحميم أمام الأماكن التي كنّا ننتظر فيها "غودو" سويًّا، أبحثُ عنه في خفّة الأشياء، في ثقل الهاجس، في سؤال أدهم الأخير عن المحطة التالية رغم أنه يعلم أنها ستكون السابقة بعد مُضيّ هذا الحاضر. لنظلّ متفقين يا أدهم يا صديقي الذي تركني وغادر أنّك صوت الإمتلاء في لغتي ودمي، وأنّك احترافُ المُضيِّ في جسد الحقيقة الجريح. لم تغِب يا صاح، كل ما في الأمر أن الامتلاء غيَّر وجهته وبكى.