الكاتب: هاشم شلولة
نحن في مواجهةٍ التحاميّة ومستمرة مع الأشياء، بدءً بأنفسنا وانتهاءً بها مرورًا بالأوّبِئة والكوارث والأمراض واللامعنى واللاجدوى... لكن، ماذا عاد علينا من تلك المشادة المشاع والموجِعة إلى حدِّ نسيان المَسلَكِيّات المؤدية لنقيضِ مخرجات مثل هذه المواجهة الساحِقة والمُربِكة؟. سؤالٌ على هيئة صرخة استمدَّت عافيتها من هذا اللانوم البشع والدميم، الذي يظل يقضم لحم الإدراك الشفاف والناعم والمُسالِم لضدّية الأشياء المُطلقة لك، وغير الخاضعة لحسابات الروح حين تتشكل وحين تتبدد فيك، وحين تترك أثرها بخبثها الدائم والمُرتَقَبْ والضال... لكن؛ هيهات فلا إجابة أو مجيب، أو رأس شَعرةٍ لحلٍّ قد يكون مشهدًا تنظيريًّا للاحَلّ/ لا حل للمواجهة التي تحدث بشكلٍ يتعرّى من أخلاق المواجهة أو مواثيقها المعروفة والمرصودة سلفًا من قِبَل تواريخ المواجهة وهامشها المُنطفِئ إلى غير ضوء أو استضاءة.
نعم؛ تعلكنا مواجهة كُلّ ما هو فينا أو نحن فيه، وتجعل منا أضحوكة للأماكن والرؤى والمنطقة المحترقة من مناطق تناولات النساء العربيات لما هو مُفرَز من هذا الإسكتش الدفاعي غير المُحكَم والمثير للسخرية إلى حدِّ التقيُّؤ. ستتسمَّر سارتريةٌ (نسبة إلى سارتر) مُحكَمة إلى حدِّ الإنغلاق لتُقدم نفسها كقوةٍ ضاربة ومُنتصِرة سلفًا في معركة مواجهة الأشياء الهالكة هذه، الحُرية التي يتحدد مُطلَقِها عبر المسؤولية الأخلاقية التي لو قلّبناها كرغيف سنُدرِك في وقت متأخِّر من اعتناقها بأنها ليست تلك الحرية التي تتمايز مع متروك المواجهة علينا وفينا، وربما يتفوق عليها ويؤول بنا المطاف إلى لاحرية عدا عن تداخل اعتبارات مرتبطة بسيكولوجيا التركيب الإنساني المحض وعلاقتة الشائكة ببعض المفاهيم، المواجهة الصريحة للأشياء والتي تصل إلى حدِّ اللامبالاة لا تفرز حرية، وليست حرية فحسب، إنّما لا تفرز مردودًا ولو شبه إيجابي لهذه المواجهة، وإن كان الدياجرام السارتري يعود عليك ببعض اللذة القريبة من شكلها النظري والبدائي حسب معيار استقبال الذهن الخاضع لطقسِ تشكُّله، لكنّها بالطبع لذة خاسرة، لأنّها مغشوشة ومفضوحة كون ميثاقها موضوع من قِبَل بشري محض خاض تجربة المواجهة مع كل ما هو أعلاه بشكل المواجهة الصريح والمتضح والإنساني جدًّا. نحن نسقط كل يوم لأننا نُهزَم كل يوم في معارك معروفة النتيجة والنتاج والإستنتاج.
لا أستطيع أن أهزم "أفلاطون" لأنَّ أفلاطون حين تعرّى ليواجه الحقيقة التي لا ملامح لها، خلق الملامح ومأسسها على أن تكون تحت المظلة البشرية ليُحتمى بها من الأسئلة، واحتمالات المواجهة القادمة والاستنزاف العقلي بما هو سالف لمَن تُذهله مفاجآت الحياة وارتجالاتها الخاطئة بشكلٍ دائم ومُتخلّي عن الوضوح والبوصلة. أفلاطون قدَّم حلًّا حين فَصَّل قميصًا فِضفاضًا للأخلاق، وجعل منها معيارًا انطلاقيًّا لخوض معركة المفاهيم، الأخلاق غالبًا تُشبه الكائنات الحية الدقيقة في مجموع عتادك لمواجهة العالم، ولكنها كائنات مُتطفلة، أي تجعل الإنسان يتوازى مع المعركة بطُرُقٍ غير شريفة والأقسى من ذلك أنَّ هذا التوازي مرحلي، والإنتصار غالبًا لو حدث فإنه يكون رماديّ، ولا صفة مجردة له تؤكد على الأبعاد الحقيقية للإنتصار غير الوارد ضمن حسابات إنسانية محضة.
نحن مهزومون ما دمنا أحياء، ونتعامل مع الأرق على أنّه مُغذي لعوالم التأمل. نحن مهزومون مُسبقًا وبشكلٍ اعتياديّ ومحزنٍ لحدِّ السخرية. مهزومون لأننا فهمنا وواجهنا وانتفضنا وانطفأنا... وتتالت هذه التراتبية التلقائية حتى أصبحنا مجانيين وعشوائيين لحدِّ الفوضى، هل استَنفذنا ما نستطيع تقديمه لفكرة البقاء بعد كل هذه الهزائم؟!. سأترك الإجابة لأَرَقي المسعور الذي يظلّ يمضغُ عقلي، ويطرقه بمطرقةٍ مصنوعةٍ من الدموع والأنفاس الضيّقة، والمعاناة الطويلة جدًّا... سأتركها لوحدتي الموحشة وقشعريرتي الغريبة، وذهولي الذي آمنت بتقلُّصه من جرائم العالم البغضاء والمشاع وأمراضه. سأترك الإجابة للطريق المجهول الذي لا يتوقف عن تهديده ووعيده لي أنا الجثّة الغضة أو قطعة اللحم المُلتفة حول عاصفةٍ كبيرة، وهوجاء تبغض غضبها؛ لكنّه مُحتمَلٌ وآت دون شَكٍّ أو ريبة، وفي وقتٍ غير متوقع من الوقت. سأتركني تمامًا ذات يوم كما فعلت مع الإجابة والمُبالاة والجدوى، وأُنسى متروكًا في رَفٍّ قديم.