التخطي إلى المحتوى الرئيسي

لا شيء يعود

 الكاتب: هاشم شلولة


ستعود الأشياء على حالها حين نغيب، وحين نؤسس ليلًا جديدًا يخلو من الإشارة والرمز.. سألتُ بالأمس جميلةً آسيوية: معقول في علاقة بين حبنا القوي للأشياء وامتلاكنا لها؟ كنتُ مؤمنًا بأنَّ هذه الأشياء هاجسُنا الذي يتوازى مع تدفق النبض الحميميّ، مع كل قطرةٍ ترفضُ السماء حملَها فتسقط، مع كل خطوة عبثية نخطوها في مدينة الجرح الكبير والملتهب. سعيتُ بكُلِّ عَرَقي في أرضٍ يباب لأفهم وأحلِّلُ ما أفهم، وأبني عليه تصاويرًا تحوِّطُ الرغبة، تحميها من نهشات الحواس المتدثرة بالوقت؛ هذا الذي يتشابه مع الأمل حين نبحثُ عما ندفِّئ به برد أطرافنا في شتاءٍ جائع وموحش خلاله. 


حين عرفتُ الأشياء، كانت السماء تنفثُ تاريخًا مرتجفًا في واجهات الصلاة الجمعية الكبيرة، التي يصليها الكلب حين يجوع، وحين تقطر أعينه الدموع كما تفعل السماء ذاتها الآن.


سؤال عن الأخوة الصغار، وعن الأم وعن براحٍ طويل عملنا ليال متواترة على ترسيمه؛ ليسع الدموع وما تختزنه قلوب الكلاب المشردة في أيامٍ باردة كهذه، كانت الصلاة رمزًا مركونًا في هذا المقهى الذي أختلس المجيء إليه كهواية، وما أفظع أن ترتدي الهوايات أثواب الحقوق، وكان ذلك بعد مشي طويل في بلادٍ لا تمتلك سوى مطرًا فوق الخيام، وعلى أسطح العرائش. 


كانت المعرفة أسلوبًا من أساليب الشيطان، التي تحتضن الرجاء، تختصه وتثأر له من سماواتٍ تبدو صامتةً بجلاءٍ يشبه جلاء الأنفس التي تحتكر الصفات البديلة والسفن المتروكة على الشاطئ.. 


كانت الأرض وإلى جانبها السماء تلعبان في شعر الخطيئة بتؤدة وحلم ورسالة مفادها أن كلتينا نرسّخ الخطأ ترسيخًا تعجزُ عنه الأحداث وتُعجِزه الأفكار النازفة.. نكبر واطئين السهل محمّلين بالسؤال عن الاستثناء وعن شارعٍ يخلو من المصبّات الهائجة والإشارات العمياء الضالة المستطيرة.. التي تشي لمؤخرات الرأس بحاجتها للاسترخاء، بينما ينتظرها خنجر دقيق الحدية.. 


كلُّ التورياتِ باطلةٌ في زمن الأردأ من النفوس، والأثمن من الرديء.. كلُّ التورياتِ صخبٌ للاتضاح المذكور في الإيوانات؛ التي تعجُّ بالأصوات المرفوعة المغبرة، التي لا تعبر إلّا فوق السريرة... 


هناك نساءٌ فوضويات يشبهن الصورة العابئة بما هو ذات رائحة بليدة، تُنكرها الرمال المبتلّة بالسوائل، تلك الرمال التي تجمد بالتدرج ويخشاها التسامي؛ فقول الدخان باطل، مُستأصَل من جوهر الخطب الأول؛ الذي أتينا حاملينه فوق صدورٍ عارية حفظَتْ الملحمة وأنكرت تعويذة الفتح الأبدية.. خيبتنا الإيقاعات وما قد يصدر عن رؤوسنا من قول أو فعل أو عمل أو حتى استصراخ جدارٍ قديم بالسقوطِ فوق لحمنا الذي ملّته الندوب وانتهت به الجولات طريحًا في منفى صغير له سقف وأربع زوايا والنوافذ اعتذرت من المشهد كسيدٍ أدرك عبوديته فخاب أمام رواقيةٍ ما وغاب.. صار أثرًا وذكرى لقومٍ ماتوا، ودفنوا تحت أرضية الزمن آثارَهم وأساطيرهم وقصائدهم، وماتوا بعد ذلك مرة ثانية لا ثالث لها. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

لم يعُد يغريني شيء

  الكاتب: هاشم شلولة لم يعُد يغريني شيء، فالحياة بكاملها بلاغةُ الموت..  لم يعُد يغريني مكان، فالأماكن كلّها اكتمالُ اللاأحد. لم يعُد يغريني زمان، فقد صدَّق المنفى كلَّ الجهات، ولم يصدِّق الكائنات، وفعل كذلك مع الكلام عن الساعات..  ثأري عارمٌ ومُفرَغٌ من ثأره من الأوقات، وليلي نهارٌ جديد؛ صلّى كثيرًا، ولم يصل البوصلة، لم يصل كابوسًا؛ ليحرسه أو يغيب..  كان رعؤيل يحرس القرينة، ويسقى لوزةً؛ جففت حبور التائهين.. كأنَّ الأنبياء جميعهم في غيهبٍ بلا وجهٍ يقابلني أنا العديد الكثير القليل، السامع كلّ شيء، وقد فقد السمع..  كانت عتبات المنازل تُبكي السالكين في زمن قريب، وكنت أسامرُ الهويات؛ كأنّي أستنطقها وكأني وحيٌ أوحى..  لم تزل جِبِلّةُ الإغراء تقاتلُ شبهَ عدمِها الأكيدةَ باستماتةٍ، ولم يزل السُّقاة على عهدٍ قديمٍ للشجر العتيق، تمتحنهم صفاتٌ موروثةُ ويفشلون.. كفشل القلب في اصطياد المعنى، ولا زلتُ في صلاةٍ أبدية/ أبدية تشبه حزني. 

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...