التخطي إلى المحتوى الرئيسي

كل المُتَع موسيقى

 الكاتب: هاشم شلولة


الموسيقى بالنسبة لي هي اشتمال المُتَع الدنيوية مجتمعة ومكتملة ومختصرة في آن، مظهرها واحد وحضورها استفحال في خلايا العقل ومُنطلقات الروح. من شأنها التباري مع اللذة رغم أنها من مواد صناعتها الخام، يحدث بينهما نزالٌ فلا يتفوق أحد، وعياك يشهدان النزال، ووتيرة الشعور تُصفّق، خلاياك تتراقص والمشاهد تتابَع... يحدث كل ذلك؛ بينما أنت تحمل جسدك، تحاول بناء علاقة هادئة بين جسدك والسرير؛ كأن تكون هذه العلاقة فأل الحواس من الاستماع، يصنع التدفقُ متواترُ الإيقاع هذا الفأل؛ فيُشعِرك بالسيادة المحمومة، التي تغصُّ بالتذكُّر للنساء الجميلات اللواتي شاركتهن مرّة موسيقاك ثم كانت الموسيقى صيغة انتظارٍ فنية التوجّه، تصنع من المسافة تقويمًا سؤاليًّا يتراءى له ظل إجابة، يُعمِّدُك هذا التسرب الصوتي _الأشبه بالنسيم_ إلى أذنيك اللتين أتعبهما صخبُ يومٍ طويل؛ يعجُّ بالأصوات المتباينة والخُطى والأنظار.. ليُصبحَ هذا الضجيج الناعم مشهدًا يكوي ما سواه، يصدمه بليونةِ التعاويذ وهلامية الصلاة.. الموسيقى استئذان الأرض من السماء لأجل تبادُل الأدوار، فتبكي الأرض لتتبلل السماء بالملح، أو تضحك فتجري الأنهار من فوقنا، هذا ما لن يألفه الفتى؛ من يجلس خلف الباب، ويصنع من صمته سؤالًا طويلًا حول تجليات الإيقاع في الأجساد والرؤوس؛ لكنّه _الفتى_ يحسُّ برشاقة الضفاف، بعمادة الأشياء، بارتجال الهواجس، بسكوت الذاريات... يتوازى مع حدوث كل تلك الالتماعات الهائجة (بخفوت يدكُّ تاريخ الثبات) صوتُ موسيقى يتناثر في الغرفة كأنّه رائحة، وأنا في لهب المُتعة أركضُ متكئًا على وسادتي كخيلٍ همام، أبني أسماءً، أصيغُ من النهايات البدايات وليس العكس.. تلك رواية الموسيقى منذ المزامير إلى الآن. 

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...