الكاتب: هاشم شلولة
مع تنامي عوالمك الروحية، ووضوح قماطها الشفيف والعذب حول خصر قلبك.. تتحوّل لمسطرة سلوكٍ دقيقة، ويصبح كلُّ فعلٍ فيك ومنك طقسًا من طقوس هذا العالم الشفاف والمنساب.. لاسيما بعد انقطاعِك عن هذه العوالم مدة طويلة عنوانها البحث لأجل الوصول، فتصل عطِشًا، وفي توقٍ جليل. ترى نفسك فيما يشبهها. يمتلئ قلبك بالرحمةِ والعطف والدموع المستعدة دومًا للانهمارِ رقّةً وإيمانًا وشفقةً زرعها الله تعالى في أحشائك.. لتُنبِتَ نباتًا حسنًا، يؤكد أنَّ مطلعَك ومنتهاك وخاتمة دورانك لحِجرِ الله سبحانه وتعالى، والذي أبرّ بك وأحن عليك من حِجر من طرحتك وليدًا ممتزِجًا بدمها؛ لتصير مصليًا زاهدًا بقلبٍ خاشعٍ ورقيق.. تصبحُ الحياة في عينِك وهمًا، لا يستحق منك إلّا السعي وراء حقيقةٍ واحدة اسمها بصيرة الله في نفسك المحدودة؛ لتتسع، وتتعبَّأ بروح الله فتمضي، وتكمل هذه الحياة السريعة متزنًا؛ موجِّهًا وجهك نحو من فطر السماوات السبع والأراضين. تصبِحُ انتقائيًّا يقظًا يقظةً هادئة ومرتبة وخجولة وصامتة ومتأمّلة ومتأنية.. تأخذ بيدك إلى المسارات الصحيحة والخلّاقة، الدالة عليك وعلى الطريق الذي ينقلك نحو فصائح اتجاهات الوجود الإنساني السليم، المحفوف بالله وآثاره الطيبة المؤنسة الحليمة.. تصير في حالةٍ من الانتقاء للدروب والوجوه والأشخاص، فلا تسلك إلى الزوايا المغسولة والبارقة بالقبس الإلهيّ، لا تطيق الماديين وأصحاب النزعات الخاوية من الابتلال الروحي. تحاصرك نفسك المحاطة بالاهتداء حصارًا محببًا مرادًا؛ لتحولَ بينك والغواية والفحش بمختلف أسمائه ونعوته وأكاذيبه واستدراجاته..
يقول ابن القيم رحمه الله: "من ذاق عرف، ومن عرف اغترف، ومن اغترف نال الشرف."