التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ما يصل من العاشق 2

 الكاتب: هاشم شلولة


عزيزتي، مجدَّدًا.. 


لم أكُن أتصوّر أن أكون بهذه الشجاعة التي أخذت بيدي للكتابة لكِ مرة أخرى. هذا التردد؛ ليس جُبنًا أو خشيةً أو ما يشبه... إنّما حفاظًا على خارطة كبريائي التي رسمتُها منذ فجرِ عمري، أخشى اجتراحها بكلمة أو نظرة أو حتى نسمة هواءٍ عابرة... ربما ذلك خطأ وربما صواب، لكنَّه الحاصل والمستمرّ في الحصول. كعادتي؛ سأعتذر عما أفعل قبل فعله، لكنّي في حالةٍ من الضياع المفاهيمي والالتباس وصراع الأضداد في رأسي، ويبدو أنها جذوة الصراع، والتي أعتقد بأنها كانت الدافع المباشر والعاجل والطارئ الذي دفعني لمُراسلتِكِ قهرًا. 


باسم الحب الغامض والصمت، باسم الأساطير الكثيرة، باسم الرجفة التي تتعربشُ أطرافي الآن وتجعلُ مني خارج أعصابي، باسم امرأةٍ مرآة وعاشقة لا تُغادِر، باسم الوقت الذي تفوَّقَ عليَّ وكسِبَ الرَّهان. أُقدِّمُ لوعتي إليكِ، أقدِّمُ رغبتي المقهورة بكِ، أقدَّم مَرَضي باسمكِ، بصوركِ، بابتسامتكِ غير المألوفة، التي لا تشبه ابتسامات البقية من نساء هذه البقعة المأزومة. إنه ليؤسفني ويحزنني الاقرار بفشلي في معرفتكِ التي حاولتُ جاهدًا الوصولَ إليها على مدار وقتٍ طويل، وخصوصًا في الأشهر الثلاثة الأخيرة، ولا أقصد المعرفة بمفهومها العمومي المألوف، إنّما أقصدها بالمفهوم الفضفاض والعميق والمرتبط بالسمات الحقيقية لكِ أيتها الرمادية الغاوية.


لا أفضِّل المفردات التقليدية التي تمرَّنت بها الألسُن أو أخذت عليها خلال مخاطبتك، لكنّي سأقول مضطرًا؛ الغامضة. نعم، أنتِ الغامضة التي تبحثُ عنها شاعريتي المُراهِقة المُرهَقة والمُرهِقة، التي لا صورة لامرأةٍ فيها إلّاكِ أيتها المخطوطة بماءٍ من النار الزرقاء في عروق عقلي، ومسارات الوجدان وكيانات الفِكر والتفكُّر والتأمُّل... ولكن، أيّ غموض؟. هذا الغموض الذي يبعث في النفس رغبةً هستيرية بالوصول إليه أو فكفكته وفهمه، تلك الرغبة التي تتجاوز اللذة من خلال استعباد صاحبها _أي أنا_ ربما الذي يحدث سرًّا ما يسكن جوهركِ أو ضَعفًا في قدرتي على التفسير، وكِلا الأمرين يُنهِكان بعنفٍ واستنفاذ.


لا أدري ما السبب وراء هذه الرغبة المشتعلة بصمتٍ في داخلي، والتي انتصرَتْ على كلِّ محاولات كبح الجِماح والكيّ. إنني أتآكل كما حدث من قبل ومرارًا بفعلِ تعريتِكِ لي، تلك التعرية غير المقصودة وغير المُنتبَه لها من قِبلِك،  لكنّي حساسٌ وغض بما يكفي لأُجرَحَ كما يُجرَحَ برعمٌ بنسمةِ هواءٍ خريفيّة، خريفيةٌ تُشبهكِ؛ فأنتِ والخريف كلُّ ما في جيوبِكما تساقطٌ للأوراقِ وبعضِ وجوهي الدفينةِ فيَّ، سقطَ أعمقَها كورقةٍ، سقطَ مني بفعل امرأةٍ لا أدركها ولا تدركني، وقد لا يعنيها الادراك، سقطَ أعمقُ وجهٍ فيَّ مني أنا الذي أفنيتُ عمري أحاول انتشال وجوهي من مغبّة السقوط. أأقول مجون النساء أم زجاجية الشعراء الصغار؟! 


لم أعُد قادرًا على القبض فوق الجمر أكثر، لم أعُد قادرًا على الصمت أكثر، منذُ/كِ وأنا كل ما فيَّ يتكلم إلّاي. هل نذنب حين نحب وحين نصمت على الحب أو نبوح به؟ هل نذنب حين تستعبدنا القلوب لأجل غريبةٍ ردّت بسكوتها التحية ومضت؟ بالفعل مضت وتمضي ويمضي معها جنوني، لكنَّ الانصهار الخُرافيّ لم يمضِ كما لم تمضِ نارٌ لامرأةٍ قد أكون غير قادر على معرفتها، تأكلني النار كما أكلتني الشهور التي مضت على خَرَسي، أأحِبُّ امرأةً قد لا تمنحها حياتُها وأسرارُها إيّاني؟ أأحِبُّها دون هويتها؟ 


آه يا جميلتي آه، كنتُ قلِقًا باستمرارٍ من وصولي إلى زاويةٍ ضيّقة كهذه، تضطرني إلى فضح نفسي أو ربّما تقدمها لكِ بصورة تسكنها وساوسُ التَّصورات حول ردّة فعلِكِ على كلامٍ قد ترينه شاعريًّا، وإنه ليس كذلك. هو حقيقيٌّ إلى حدِّ الاحتراق، حقيقيٌّ بشهادةِ الليالي على جسدٍ أبرته امرأةٌ بعيدة، أضعفته لعجزٍ في التركيب أو خطأٍ في تقنية توصيل الصوت العاشق والهائم المولع أو حتى المهووس. حاولتُ بكُلِّ قواي اسكات رغبتي؛ لأنَّ جنوني بكِ قد لا يكون منطقيًّا أو قد يكون في غير محلِّه أو قد يكون مثارَ سخرية... لكن؛ يشهدُ من أفنيتُ العمرَ لأشهدَ به أنني لم أعُد قادرًا. 


بكُلِّ هذا، بأقصاه وأقسى وأحنّ منه، بكُلِّ أورادي وصلواتي التي لا أدرك حقيقة ارتباطها بغيبي، وأقول من أقصى نقطة من نقاط اللاادراك هذا؛ لكِ العُمق والمعنى، لكِ الوجه الخرافيّ الثقيل الخفيف، الذي لا تُحتمَل خفَّته، الذي أُقدِّر وأجِلُّ وأعبدُ طولَ سَمْتِه وحكمته وصبيانيَّته الذائبة في نُضجٍ كبير وممتلِئ وذات وهجٍ مختلف، وجهٌ ثائر ومُدلَّل ولا يُنسى. كلّ هذا وأكثر.. أكثر بكثير، لكنَّ ارتباكي لم يسعفني في ترديدِك أكثر. أنا هنا، أُنادي؛ أستبسل في المناداة؛ أصرُخ... هل من/كِ؟ هل يظفُرُ وَلَهي بما وَلَه؟ 


وبعد؛ رغم قزامة ما قبل، أتمنى لو كنت خفيفًا، غيرَ ذي ثقلٍ أو عدمِ قبولٍ. عدا عن أنني أجهلُ ماهية واقع الأمر فيما يخص استجابتك لهذا النداء الباكي من عدمه. لذا؛ أريد إدراكًا منكِ لرضائي التام بكل النتائج، والمستوى السحيق الذي وُضِعَت مشاعري فيه، حتى خرجَتْ بهذا الدفق الماجن والأقرب للهستيري. أعتذر حاضرًا كما اعتذرت مقدمًا لو كان هناك انتهاكًا لأي مبدأ أو فجاجة أو اندفاع أو حتى ارتباك. أنا في انتظار الرد إن رغبتي به؛ وأرجو أن لا يتأخَّر فلم يعُد هناك ما يكفي للانتظار أكثر. 


تحياتي والسلام. 


المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...