التخطي إلى المحتوى الرئيسي

في وداع سعدي يوسف

 الكاتب: هاشم شلولة.


سعدي يوسف قد يموت، وقد تؤكد أخبار الصفحات الثقافية ذلك، لكن التباسيته كإنسان أولا وشيوعي ثانيا؛ شيَّع التشابه مذ أول طلّةٍ أطلها.. تنفي نفيا مطلقا هذا الموت.
عرفتُ سعدي من بودلير وأزهار شره، ذلك الكتاب الذي سرقته من مكتبة بلدية خانيونس في شهر يناير ٢٠١٨، ومن قبل بودلير عرفته من أعمالٍ كاملة في سن ال٢٠ من رجل مريض أهداني إياها حتى أكون بليغا بالغا حتى لو لم يكن ذلك حقيقيا لكنه جعلني كذلك، وليس كذلك تشبه حفّة الشعر التي مشيت مع سعدي يوسف جنبا إلى جنب عليها، وبكل سعي لاستيراد وجها آخر للشعر. كان سعدي هو الشعر وهو العراق وهو صلة درويشنا بالعراق..
من ذا الذي سيشيعك ويجرؤ على فعلٍ بخسٍ كهذا أو ذاك؟.
سعدي يوسف كان لون العراق الذي صبغ شِعرا حالما، وسطَّر على جُدُر العالم أسماء الموحد وأسماء الجدل وصفات الجدال.. كان رئيسا فخريًّا لنفسه حتى أنَّ من عرفوه قالوا نزِقًا، وما هو بنزق.. كان في وسط القحط ترِفًا من حيث ذاته ونفسه التي لم يرَ سواها في هذا العالم، ولم يكُن فاتحًا للبدائل حضنه الساعي إلى شِعرٍ، إلى ألمٍ، إلى أملٍ ربما..
يا صاحب السمرة التي أرّقها البياض، وسلب غوايتها شجرُ البصرة الثابت في عنق الكليم.. الآن يا سعدي وليس غدًا تثمر تربيتك للموت فيه، وكان كل شيء على مهل، وليس كما تروج صفحات قُرّاءك الصغار؛ الذين لم يعرفوا حقيقتك يوما. أيحق قول ماركس الذي ظل من الجدل؟ أيمكن أنجلز يا سعدي حبيبي الأسمر وأول من عرفت في مراهقة كانت بعيدة عنهم وتلعن أمريكا؟.
يا سعدي يوسف، يا صاحب الاسم المُشارك في جنازته، العابر لمنصاتٍ سينتقم لك الشعر بها في الخلود الاستثنائي، وكنت نقيضا للسُّفراء ولعفراءٍ من أرض السواد.. آه أيها الشاعر الذي مضى إلى قناعة، وربما إلى وقت أو إلى أمسيةٍ أخرى مشيًا على الأقدام.. سعدي يوسف الذي ظلَّ ظلًّا محترقًا وفي احتراقه يباس متماسك كاللغة التي قهرت التداعي، ومرّغَت في التراب أنف الاستعارات الدخيلة.. سعدي يوسف الماجن في الحياة وفي الموت، ولا جديد يا حبيبي سوى الحياة لا الموت.. تجبّر وارتجل وودِّع بنفسِك نفسَك.. سلام لك وكلام كثير بعد هنيهة ربما يتحول لتمثال.. أبو الخصيب تئن على ولدٍ ضاع في زحام المدن، لكنّه موجود في كل مناسباتها بلون يديه، بلمساته وملمسه، بقلمه، بسحره، بسرّه وسريرته.. بكل ما للفجر من أصوات ليست متشابهة للآذان، انتحر أو انفجر أو رمى بنفسه فيه الموت يا خصب القصيدة ونماء الشطر ودرس الكناية الطويل الكبير العميق الباكي على ضفة دجلة، والمُقطب جرحه بطينها.. سنبكي كثيرًا عليك عمودًا سقط هيكله واحتفظ لاتفسيرنا بفكرته طويلا طويلا إلى أن ننام أو نموت.. فالوداع المقدس الحار الباكي حروفا ودموعها.. الوداع الوداع الوداع. ..



المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ما يصل من العاشق 4

  الكاتب: هاشم شلولة صباح الخير أيتها الجميلة.. صباحٌ أشبه بملحٍ على شفة الجرح المقذوعة لأنَّ كلامًا كثيرًا أُجِّل، والتأجيل بمعنى الترتيب الذي قد نحتاجه لصياغةِ جمالٍ ما، والتردد أداة من أدوات هذا الترتيب أو بالأدق درجة؛ فالأقدام التي تسير فوق الدرجات أقدام مرتعشة ومرتجفة ومصدومة وخائفة من كل شيء بدءً بالخوف وانتهاءً به.. وقد نسمّي ذلك بالخشيةَ من اليقين، والتي تتعارك مع فلسفاتنا التي شكّلتها الصيحات والصرخات وندبات الأمل الكبيرة... -إن كنتِ تقصدين العالم أنا وأنتِ.. فليس احتمال بقدر ما هو تأكيد احتمالي للنجاة والإنقاذ الذي نحلم ونرسم سويًّا، أما العالم الذي سوانا فهو بليد، مُتعَب ولا يُقدّر أي فعلٍ يحفُّه الحب، لكن لو لم يبق سوانا فيه، سنفعل الإنقاذ، سنفعله بأيدٍ من الورد المُبلل بقطراتٍ من ماءِ إرادة كل منا في أن يكون ضِفّة على نهر/ نحن ضِفّتان وما بيننا ماء.. ماءٌ بلون الخطاب الرقيق؛ المشفوع بزُرقةٍ ذهبية كزُرقة قلبٍ يعتنق الحب...  أقلقني توصيف ليلة ثقيلة، وفي غيهب قلقي تذكرتُ ازدحامي بِك وازدحامكِ بي؛ اللذين يمنحانا ثورةً على كُلِّ الأثقال التي قد تشارك قافلتنا الرقيقة وا...

ما يصل من العاشق 8

  الكاتب: هاشم شلولة أفكّر بكِ.. أفكّر بكِ كثيرًا، وهذا كل ما في الأمر، أو الأمر برمّته. أفكّر ولا أتوقّف، ويحدث ذلك على مدار الوقت. سأبوح لكِ بشيء مهم بالنسبة لي وكاشف.. أنا من الذين يمتلكون سعةً لاحتمال الجميع، وأحترفُ الاستماع بتؤدة ورفق، ودون حاجة مرئية أو غير ليسمعني أحد.. لكنّي طافحٌ بكِ أو ممتلئ، وليس في خلدي سواكِ ليسمعني..  لا أدري من أيّ المنافي تسربتِ إلى عقلي، هذا العقل الذي علّمته التجربة درسًا قاسيا في سدِّ منافذه.. ولكنّي أدري من أيّ الأوطان بلغتِ قلبي. ربما اكتملت قصيدةٌ ما فأنجبتكِ، أو صورةٌ كسّرت نعتها فآنسَتْ واستأنست ودنت... فوصلت.  أنتِ امرأة جامدة أو حذرة أو ساكتة.. لدواعٍ تخصّكِ. كوني ما تكوني مما يتشابه ونعتٍ يناسب قامتكِ. المهم وبتعبيرٍ كافكاويّ فلو كنتِ جثّة، فأنا أحبّكِ.. وسأحبّكِ، وسأبقى.. لأنّك تشبهين المرأة التي تعيش فيّ، أرسمها وتلهمني.. تلهمني وأرسمها. تشبهين جدولة الأنثى في خافقٍ مرتبكٍ كخافقي وكتخيُّلِكِ للأشياء..  لستُ من الذين يبلغون مقاصدهم بالحلم المحض، وصحيح أنني طفل وأرى العالم من هذه الطفولة، لكنّك مع خيارات قليلة.. أردتكما من...

ما يصل من العاشق 7

 الكاتب: هاشم شلولة مرحبا عزيزتي:  بدون مقدمات هذه المرة، وبدون حاجة للبحث عن مفردات تخفي وراءها مفردات الشوق.. أنا مشتاق لكِ، ويبدو أنَّ الحب غيرُ مستثنى من لعنتيّ التواتر والتراكُم. حيث يكبر كما يكبر كل شيء، وقد يفنى كما يفنى كل شيء إذا غاب عن المثال مثاله. لكنَّ المثال حاضرٌ هنا، مثال الكيفية التي أبنيها بيني ونفسي كل مرة.. حيث صرتِ الحديقة الظليلة، التي ألجأ إليها كلّما زاد نفوذ زمن الصحو الرديء الذي يعيشنا ونعيشه في الأرض الخراب.. وبلغة تقترب من الروحية؛ فإنَّ الحب بهذه الطريقة يبدو أنّه قدرٌ يُراد به ترتيب نفس المؤمنين الضائعين في غفوة السم من صحوة الزمن الطولى.  كلّما فقدتُ قدرتي على تصوّرِ ما بعد الحرب من جمال أو حياة، أو مستقبلٍ يخلو من صوت الرصاص.. فإنَّ صورةً لكِ حيةً؛ تتجسّد أمامي، وتبلغ زرقتها.. تنبِّئني بما مفاده أنَّ جمالًا يختبئ خلف الرصاص، هو ما ينتظرُك أو على أقسى تقدير؛ ما تنتظره أنت خيالا أو حقيقة.. أخاف أحيانًا من فكرة أنني أبني سرابًا في السراب، فينذرني نذيرٌ صامتٌ فيّ بقتلِكِ؛ لأعتمدَ على وجهكِ كما أعتمد على القصيدة فحسب.. فيرن جرسٌ آخر فيَّ يقول لي...