الكاتب: هاشم شلولة
أمكثُ في السرير طويلًا، وأشعر أني فوق جبل، أنا اثنان؛ واحد فوق وآخر تحت، يمرُّ نظري بي (نظري من عُلُوّ) ساقطًا.
أسأل باستهجانٍ: من جعلني اثنين؟.
أنظرُ صوب يميني (لا أحد)
الوردة الجافة التي تركتها بالأمس فوق الصندوق الخشبي الذي بجانب سريري غير موجودة، ثم تذكرت أن اتصالًا باغثني من امرأةٍ أعرفها تطلب المساعدة بصوتٍ مرتجف: "استغلني صديقك عديم الأخلاق"
من الممكن أن يحتمل الإنسان أن يكون غيره مخطئ لكن من غير الممكن اعتباره أداة للظروف
_كان ذلك عنوانًا عريضًا ليومٍ من أيامي مرَّ بي ونسيته ( نسيت اليوم)_
غير أنَّ ما حدث، وربما يحدث الآن (اليوم المنسيّ) كان حريًّا بي أن أكون متفائلًا فيه وضحوكًا حتى أتمالك نفسي خلال الحديث مع أحد عمال المجاري سابقًا، وقد تحوّل إلى ضابط أمن لخيانةٍ تاريخية طارئة من الوقت للحشود..
حسنًا؛ فعلت وقد قلت لضابط الأمن العامل:
"مُحيّاك بهيّ أخي العزيز"
_حقًّا؛ قلتُ "أخي العزيز" بملامح جدّية!
تذكرت أحد أصدقائي ذات مرة وهو يقول لي:
"لو كان سارتر هنا لبصق في وجهك"
لأني كنت قد طلبت منه مشاركتي في بحثٍ جامعيّ وقد قلت له يومها: "أنت عزيزي الدائم"
هناك شيء مهم؛ هو أنَّ من كانت فكرته عن نفسه دونيّة، يستصعب ثقته بنفسه حتى لو أجاد دوره الدرامي الذي كتبه هو، فإنَّ ذلك يبدو مضحكًا ومشوَّهًا كشبابيك الزنازين التي يُؤمَر بالحبسِ فيها من يريده ماسحُ أحذية قديم..
وجدتُ في الانتظار نصًّا قديمًا في المُذكرة؛ كنتُ قد كتبته لعاهرةٍ مَضَتْ، قمتُ بقراءته وحقدتُ على نفسي؛ لا لشيء بل لأنّي استبدلتُ قلقًا راهنًا بذكرى قد تشوِّه وجهَ هذا القلق في حال استبدلته!
كانت العاهرة الوحيدة التي تذكرتها على باب السجن! رغم أني قليل التذكر وخصوصًا في الأماكن الحكومية؛ كالسجن مثلًا!
وحيٌ، رجلٌ أعمى يمرّ بعُكّازٍ معدنيّ؛ يحملُ فوق نظارته قضية وكان يقول:
"لو سمع ابني مني، لتحوّل صالحًا"
وواصل الرجل:
"ي عين صُبّي خرة؛ علينا و ع اللي جرى"
ضحكتُ كأنّي نجوت، ودخان السجائر يتصاعد من فمي كما تصاعَد من رأسي مفهوم الله، وقد شاهدتُ هذا التصاعد ذات مرّة وأنا أسير بخفّةٍ في شارع جلال بخانيونس..
لا تتركوا أخيكم وحيدًا بين أسراب الأفاعي مالحًا بسبب الهواجس، وما تعتقده الخيمة التي جمعَتْ مريضّي انفصام
لا تذروه قربانًا لامرأةٍ على وشك الموت؛ كانت قد أشعلت بجسدها النار بالأمس، وهي ترقد حاليًّا في العناية المكثفة!.
يهتزّ رأسي بقوة (هذا الخبر الذي شاهدته في يقظةٍ شاردة على رأس آخر جريدة بعتُها وأنا في الابتدائي أمام البنك العربي في المدينة ذاتها)
آه ما أقسى المناهج والمفارقات وطوارئ الوجود!.
كان كل شيء في غير سياقه معدا صورة ل "بروست" كنتُ قد لمحتها قبل أيام في إحدى صفحات الفيسبوك، مكتوب عليها:
"بعد موته بساعة"
يُشبه فيها السياق وتشبه قلبي الذي مات منذ ساعة بعد رؤيتي إنسانًا يدافع بشدّة عن صفاته المُعلّقة في بروازٍ أنيق على جدار إحدى الحمّامات العامة.
كنت دقيقًا جدًا في الانتباه إلى صفاتي في تلك اللحظة للدرجة التي عطستُ فيها وسط الناس دون أن أهتم، وحككت خصيتيّ فانتبهَتْ امرأة لكنّي لم آبِه بذلك، أكملتُ الحك وقد ابتسمتُ للمرأة العجوز؛ التي تبيع النعنع على باب جامع الشرطة، لأنها راقبَتْ مشهد الحَكّ!
قسوتُ كثيرًا على خُطاي، وزُجاج المحال التجارية، وعلى رصيفٍ كنا نتحدث ذات مرة فوقه أنا وعبود عن شكل علاقة "جان جاك روسو" بالسيدة النبيلة "مدام دي فاران" (ماما روسو كما قالت لنا اعترافاته) وقد رقرقَتْ عينيّ بعد قسوةٍ طارئة، وبكيت دون دموع؛ لأنَّي اعتدتُ قمعي، وها أنا كسبت جولة القمع، ونجحتُ في دفن عينيّ في ضريحٍ من ملح القلب.
عدتُ إلى البيت، إلى السرير، عاد نظري إلى مكان الوردة الجافة، وأذني إلى سماعة الهاتف لأسمع صوت المرأة، وهي تردف بذات العبارة لكن دون تحويل الوِقع إلى حدث يكتمل بخروجي من البيت، وإعادة تمثيل سيناريو أشبه بالطويل، كالذي قمت بتمثيله خلال هذا اليوم البائس.
بعد تلك العودة جاءتني رسالة أسعدتني؛ لكن هيهات!!
البيت محترق بانفعالٍ تأخَّر الإفراج عنه.
عدتُ إلى ما فقدت من الزمن، لكنّ للزمن استعاراته الرمادية، ولي أنا كُلّ الزلّات المُتضحة. لي الأحداث، لي حقيقة على هيئة شجرة وليل كالنهار، لي أشياء كثيرة منها؛ العودة إلى البيت فارغًا من كل شيء عدا صورة البيت المرتبكة.