الكاتب: هاشم شلولة
لم يتركنا أبي نكبر كما نشاء، ولم يتركنا نعرفه. صنع لنا سِكّةً من استيقاظاته الباكرة، وحبات العرق، ومزيج من الخُطى المُتناثرة، وقال اعبروا..
-إلى أين أيها الأب الصالح؟
-إلى الأحلام يا صغاري.
آه يا أبي! عرفناك مجددًا حين قلتَ ذلك، عرِفنا كيف لقُبَّرَةٍ تولد مبتورة الرأس أن تسمعَ صوتَ الهواء.
لم أكُن أكرهه، لم أكُن أحبه.. كان غائبًا، يخبِرُ شيخًا ما من الذين يجلسون معه في دكانه في سوق المدينة القديم أنَّ له ابنًا يملك عينين خضراوين، وشَعر ذهبيّ. كان حاضرًا كضمادة الجُرح حين تنزف القصيدة، وحين يتأخّر عن الحضور، كان يبعث بظلّه مؤقتًا إلى أن يوفي الكيلَ لامرأةٍ كانت تشتري منه صاعيّنِ من الملح دون مقابل.
كنتُ أحب غيابه لأن ذلك يمنحني اللعب مع بنات الجيران مساءً بحرية، ويمنحني التدُّرب على الخيبة. على اليُتم، فقد قال لي ذات مرة: إنّي أغيب لأُعلّمك كيف تحبني حين أموت، غدًا سأموت يا بني في وقت لاحقٍ من الوقت. يا أبي؛ سأتعوّد على الغياب، ولن أحبه كالعادة إلّا حين تعود..
لم يكُن أبي يشرب القهوة في البيت، كان يشربها وحده في السوق كل يوم صباحًا، وهو يتلفت حوله، حتى لا نراه. ذات مرة حين ألقيتُ القبضَ عليه مُتلبِّسًا بالجُرم المشهود، سألته:
-لماذا تفعل ذلك يا أبي؟
-حتى لا تقلدوني، فأنا أشربها مُرّة، يكفيكم مرارة المجيء والعودة. لا أريد أن أورثكم عادات أكثر سوءً من هشاشة أصواتكم وتعب الصهيل.
"كان عليَّ أن أكبر أكثر لأتعرف على أبي"
كانت ملامحه هادئة كخيلٍ جريح. كنورسٍ سقط على شاطئٍ فارغ، سعيدًا بالوصول، حزينًا لتعب السفر. كان يحب الأرض لكنه لم يمتلكها مرةً واحدة، وكأنّه يقول لنا أنَّ الحب وحده لا يملأ القلب، والأرض شاهدةً على ذلك. ستعلمك السنون يا ابني الذي لم أهبك يومًا للفن لكنك ذهبت، كان عليك أن تكبر لتعرف أن كل شيء خاسر، الحب. أنت. الفن... وربما أنا حين أقول لك ذلك فانتظر حظّك، الله فينا وربما يعرج دمُ الغيب فتبتلّ عروق النبوءة، ولا تخسر.. ربما.
سرُّ الكلام. سرُّ العيون. سرُّ الوقت اكتشافك، ودمعة تسير برفقٍ على خدّي في حلمٍ رقيق، رأيتُكَ فيه تبكي على ميلادٍ من الخاصرة، تشهد بأنَّك السرّ الصامت والأكبر لتكوين خارطتي.
-هل يا أبي ضاع معنا الطريق؟ من أضاعه؟.
ربما ضاع، ربما سكين ذهولنا المُشترَك بفاظاعات العالم لم تقطّع أوردةَ الهباء الراسخ في باطن الرؤيا التي نتشاركها معًا. ظَلَّ كلُّ شيءٍ سرًّا، وفي صمت. لم يرجع إلّا الوقت، لم يُعِد نفسه سواه.
ليلكيٌّ سؤالك القائل: ما البداية؟
لقد انتظرتك على مدخل الحَيّ، وصرت أنتظر الهدية. اليوم وبعد تلاثة وعشرين عامًا، وصلني جوابًا من مارٍّ غريب سلَّمَني إيّاه ومضى، مخطوط عليه: لا تنتظر، مات الوقت على صدر أبيك. قتلته الخيبة حين أهداك أباك الحياة، فلا تنتظر. لن يعُد أباك، ولو أعادته الأحلام فلن يُهديك إلّا الحنين إلى موطنك الذي جئت منه مرغمًا. البداية كل هذا، والنسيان.. إننا نبدأ حين ننسى.
كان أبي على علاقة غريبة بالصمت، كان يصمت في أشدِّ أوقاته حاجةً للكلام، كان يخبرنا بذلك أنَّ التاريخ يُهزَم حين يُؤرَّخ، وحين يُدوِّنه الصاعدون إلى الحقيقة، الهابطون إلى أنفسهم.
كان يمتهن الحزن امتهان، وكان بمهنته سعيدًا. أبي الذي نسي كل شيء إلّا الوهم، كان أكثر الناس حقيقة، وأكثر العابرين خفّة. هو أبي الذي أحبه ويحبني بصمت. هذا أبي.